Skip to main content
‫3‬

           ‫2341هـ - 1102م‬




    ‫محور العلوم اإلنسانية‬
    ‫والحكـم التـشـريـعيـة‬
‫العلـوم الإن�سـانيـة‬
‫واحلكم الت�سريعية‬
‫بحوث‬
    ‫المؤتمر العالمي العاشر‬
‫لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬
         ‫2341هـ - 1102م‬

    ‫حمور العلـوم الإن�سانية‬
    ‫واحلـكـم التـ�سـريعـيـة‬




       ‫دار جياد للنشر والتوزيع‬
‫5‬




                                     ‫املحتويات‬

     ‫7‬                                                                                          ‫مقدمة‬
     ‫31‬                                                           ‫الهدي النبوي يف منع ومعاجلة الغ�سب‬
     ‫93‬                                                       ‫مـن الإعجـاز البياين يف القـراآن الكـريـم‬
     ‫38‬                                      ‫بع�س اأوجه الإعجاز يف حديث النهي عن بيع ما لي�س عندك‬
    ‫111‬                             ‫من وجوه الإعجاز الت�سريعي يف القراآن وال�سنة تظافر اأوجه الإلزام‬
    ‫731‬                                                   ‫اإعجاز القراآن الكرمي يف الإخبار عن الغيبيات‬
    ‫351‬       ‫مالمح الإعجاز الإعالمي يف قوله تعالى“يا اأيها الذين ءامنوا اإن جاءكم فا�سق بنباأ فتبينوا”‬
                  ‫ّ‬
    ‫581‬                                                          ‫من حكم الت�سريع مل�سائل علم املواريث‬
    ‫942‬                                                     ‫اإعجاز القراآن يف دللة الفطرة على الإميان‬
    ‫382‬                                      ‫�سهادة الأناجيل ب�سدق الر�سول حممد �سلى اهلل عليه و�سلم‬
    ‫903‬                                                                   ‫الإعجاز الت�سريعي يف الطالق‬
    ‫333‬   ‫الإعجاز الت�سريعي يف احلقوق القت�سادية امل�سرتكة بني الرجل واملراأة كدليل على تكرمي املراأة‬
    ‫743‬                                                                      ‫الإعجاز يف اآحاديث اخلمر‬
    ‫353‬                                                              ‫الإعجاز الت�سريعي يف حترمي الربا‬
    ‫573‬                                          ‫خروج نار من اأر�س احلجاز ت�سيء اأعناق الإبل ببُ�سرى‬
    ‫973‬                                                ‫عدة املطلقة .. احلكمة الإلهية واملعجزة العلمية‬
‫7‬




                                         ‫مقدمة‬
                  ‫كلمة ف�صيلة الدكتور/ عبد اهلل بن عبد العزيز امل�صلح‬
                  ‫الأمني العام للهيئة العاملية للإعجاز العلمي يف القراآن وال�صنّة‬


                                  ‫بسم اهلل الرمحن الرحيم‬
                                                                         ‫اإخواين واأخواتي :‬
                                 ‫مجهور اإلعجاز العلمي يف القرآن والسنة .. يف العامل أمجع ..‬
                          ‫أحييكم بتحية اإلسالم؛ فالسالم عليكم ورمحة اهلل وبركاته.. وبعد‬
    ‫فقد تداعى أهل االهتامم بشأن اإلعجاز العلمي يف القرآن والس ّنة يف عاملنا من املشارق‬
    ‫واملغارب والتقوا يف محى الكعبة وحتت ظالل احلرم املكي الرشيف وضمتهم أروقة رابطة العامل‬
                ‫اإلسالمي لتنبثق من هذا اللقاء اهليئة العاملية لإلعجاز العلمي يف القرآن والس ّنة.‬
                                              ‫إهنا العلم؛ وهل يرد العلم إال من سفه نفسه.‬
                                                               ‫َ‬     ‫ُّ‬
                             ‫إهنا اليقني؛ وهل يصد عن اليقني إال من ريض اجلهل له قرين ًا.‬
                                             ‫إهنا النظر املتأمل يف اآليتني املتألقتني الثابتتني :‬
                                                              ‫اآلية املنظورة واآلية املسطورة.‬
‫8‬




‫آية يف الكون واإلنسان واحلياة يف دقتها املذهلة وانتظامها يف هذا امللكوت الرحب ..‬
                                                               ‫املسبح بحمد ربه، وآية يف هذا الكتاب.‬
‫والس ّنة حدثتنا عن هذه احلقائق يف توافق تام وانسجام بديع مع كونه قد تنزل يف زمن مل يكن‬
                                ‫يف مقدور البرش وال يف علمهم معرفة به وال إحاطة بتلك احلقائق.‬
                      ‫إهنا احلجة البالغة الدالة عىل أن من خلق األكوان هو من أنزل القرآن.‬
‫إن رسالة هذه اهليئة أن تبني هذه احلقيقة الناصعة وأن تكون قنطرة للتواصل العلمي‬
‫نحقق من خالهلا خدمة اإلنسانية يف البحث عام ينفع الناس ويمكث يف األرض ولنثبت‬
‫للعامل أن ديننا دين علم ومعرفة يبحث عن احلق ويدعو إىل اإلبداع والتقدم واألخذ بأسباب‬
‫الرقي املادي وصناعة احلضارة من أجل حياة إنسانية كريمة يسودها العدل ويصري العلم‬
‫فيها خادم ًا للناس معين ًا هلم ال معول هدم وسبب دمار وبذلك يصبح الناس مجيع ًا يف أمن‬
‫وأمان ﴿ إِن هذا ا ْلقرآن يدي ل َِّلتِي هي َأقوم و ُي َبرش املؤمنِنيَ ا َّلذين َيعم ُلون الصاحلات َأن‬
‫ِ َ ْ َ َ َّ ِ َ ِ َّ‬                ‫ِ َ ْ َ ُ َ رِّ ُ ْ ُ ْ ِ‬           ‫َّ َ َ ُ ْ َ َ ْ ِ‬
                                                                         ‫َُهلم َأجر ًا كبِري ًا ﴾ (اإلرساء: 9).‬
                                                                                                ‫ْ ْ َ‬


                                                            ‫اأما اأنتم معا�صر العلماء والباحثني..‬
‫يا من حترصون عىل التواصل مع اهليئة التي هي بكم ولكم ومنكم وإليكم؛ لكم مني‬
‫ومن إخويت العلامء والباحثني واإلداريني يف اهليئة العاملية لإلعجاز العلمي يف القرآن والس ّنة‬
‫الشكر والعرفان بالفضل ومل ال يكون ذلك كذلك وأنتم شهود اهلل عىل ربوبيته وألوهيته‬
‫وأسامئه وصفاته وعظيم نعامئه ﴿ شهدَ اهلل َأ َّنه ال إِ َله إِال هو واملَالئِكة و ُأو ُلوا ا ْلعلم قائِام‬
‫ِْ ِ َ ً‬            ‫َ َّ ُ َ َ ْ َ ُ َ ْ‬                ‫ُ ُ‬            ‫َ ِ‬
                                                                           ‫َ ُ َ َ ِ ُ َْ ِ ُ‬          ‫ِْ ِ‬
                                               ‫بِا ْلقسط ال إِ َله إ َِّال هو ا ْلعزيز احلكيم ﴾ (آل عمران : 81).‬
‫إن هذه اهليئة التي هي جامعة اإلعجاز العلمي يف القرآن والسنة التي جتمع من العلامء‬
‫صفوهتم ومن الباحثني أعالهم رتبة يف بحوث اإلعجاز العلمي يف القرآن والسنة وعندها‬
‫ويف رحاهبا تلتقي الكفاءات العلمية العاملة هبذا الشأن املهم من شؤون قرآننا وسنة نبينا‬
‫9‬




    ‫حممد صىل اهلل عليه وسلم لندعو كل قادرعىل السري يف هذا املنهج السوي واملنهل الروي‬
    ‫إعالء للحق وإظهار ًا للحقيقة واكتشاف ًا ملا أودع اهلل يف الكون واحلياة واألحياء مما ينفع‬     ‫ً‬
      ‫ُ َ ِ َ َ ُ ْ َ ِ‬
    ‫الناس ويكشف نعامء اهلل علينا التي استودعها يف ملكوته الرحب ( هو ا َّلذي خلقَ َلكم ما يف‬
                      ‫َّ ِ َ َ َّ ُ َّ َ َ َ َ ٍ َ ُ َ ُ رِّ َ ْ ٍ َ ِ ٌ‬                     ‫َْ ِ َِ‬
     ‫األرض مجيع ًا ُثم استَوى إ َِىل الس َامء فسواهن س ْبع س َاموات وهو بِكل شء عليم ) (البقرة : 92).‬
                                                                              ‫َّ ْ َ‬


    ‫لقد األزمت الهيئة العاملية للإعجاز العلمي يف القراآن وال�صنة نف�صها مبقت�صى املنهج‬
    ‫العلمي و�صوابط البحث يف الإعجاز العلمي يف القراآن وال�صنة ما ميكن اأن جنمله يف‬
                                                                                  ‫الآتي:‬
    ‫١. جتاوز الفرضية والنظرية وختطى هذه املرحلة إىل مرحلة احلقيقة العلمية التي ال تقبل‬
                                                                        ‫النقض وال التغيري.‬
    ‫٢. وجود الداللة الظاهرة عىل تلك احلقيقة يف كتاب اهلل أو ما صح من سنة رسول اهلل‬
                                                                      ‫صىل اهلل عليه وسلم.‬
                             ‫٣. الربط بني هذه احلقيقة وداللة النص بأسلوب ميرس وسهل.‬
                    ‫٤. أن تكون تلك الداللة وفق مفهوم العرب الذين نزل القرآن بلغتهم.‬
    ‫٥. أن ال نبحث يف األمور الغيبية التي اختص اهلل نفسه بعلمها والتي آمنا هبا وصدقنا‬
                                                                                 ‫بمقتضاها.‬
    ‫٦. أن يكون تفسري القرآن بالقرآن ثم بالسنة الصحيحة ثم باآلثار التي صحت عن‬
                   ‫سلف هذه األمة ثم بداللة اللغة العربية التي تنزل هبا القرآن الكريم.‬
    ‫ونود أن نبني هنا أن الشبهات التي أثريت حول التفسري العلمي - وكذلك ما سبق من‬
    ‫الرتدد بشأن اإلعجاز العلمي يف القرآن والسنة - إنام هي عند التحقيق م ْنصبة يف جمملها‬
               ‫َّ‬
    ‫عىل البحوث غري املنضبطة بضوابط البحث يف اإلعجاز املذكورة آنف ًا؛ حيث وقع أصحاهبا‬
‫01‬




                               ‫ً‬
‫يف الترسع أو الغفلة عن بعض الضوابط املقررة؛ علام بأن مثل تلك البحوث ال متثل إال‬
‫حاالت قليلة ومرفوضة، لذلك فإن اهليئة العاملية لإلعجاز العلمي يف القرآن والسنة عندما‬
‫تنظر يف بحث من البحوث تضعه يف مكانه عىل حسب قربه من حتقيق ما يشرتط يف البحوث‬
                                                   ‫أو ُبعده عن تلك الرشوط والقواعد..‬
‫إن معاناة البحث يف هذا املجال وما نالقيه من صعوبات ومتاعب وعوائق لنرش تلك‬
‫القضايا يذهب أثرها وينقشع غبارها عندما نرى عيان ًا آثار وثامر بحوث اإلعجاز العلمي يف‬
‫القرآن والسنة، وجدير بنا أن نذكر بعض ًا منها حتفيز ًا هلمم الباحثني كي يسلكوا هذا الطريق‬
                                                ‫وينرصوا دين اهلل من خالله؛ ومن أمهها:‬
‫١. األثر البالغ الذي ترتكه يف قلوب املسلمني، والذي يرتجم بزيادة اليقني عندهم لدى‬
‫معرفتهم هبذه احلقائق الباهرة؛ ألهنا وردت يف القرآن الكريم وعىل لســان النبي‬
‫األمي حممد بن عبد اهلل عليه الصالة والسالم، وهكذا فإهنا خري حمرض للتمسك‬
                                                   ‫بالقرآن والسنة واالهتداء هبام.‬
‫٢. الرد العلمي الدامغ عىل األفكار التشكيكية بصحة الرسالة املحمدية؛ حيث إن‬
‫عرض تلك احلقائق التي جاءت يف القرآن الكريم أو أخرب عنها نبي أمي يف زمن ال‬
‫يوجد فيه تقدم علمي كام أنه ال توجد يف املجتمع وكذا البيئة التي عاش فيها أية أثارة‬
        ‫ً‬
‫من علم يف تلك امليادين الكونية؛ ولذلك فهذا اإلعجاز العلمي يعترب جماال خصب ًا‬
‫إلقناع املنصفني من العلامء بربانية القرآن الكريم وصدق رسول اهلل حممد بن عبد اهلل‬
                                                            ‫صىل اهلل عليه وسلم.‬
‫٣. الرد العميل املقرتن بالربهان الساطع عىل أن الدين اإلسالمي هو دين العلم حق ًا؛‬
‫فمع إشادة الرسول صىل اهلل عليه وسلم بالعلم – والرتغيب يف حتصيله والتنويه‬
‫بفضل العلامء - فقد ذكر كثري ًا من احلقائق العلمية وأشار إىل كثري من األرسار‬
‫الكونية مما هو موضوع العديد من التخصصات يف آفاق الكون ومل يستطع أحد إىل‬
‫11‬




     ‫اآلن أن يثبت وجود تعارض بني أي داللة كونية واردة يف القرآن الكريم أو حديث‬
                    ‫رشيف صحيح مع ما استقر من احلقائق العلمية اليوم وأنى له ذلك.‬
     ‫٤. اإلعجاز العلمي يعترب خري حمرض هلمم املسلمني كي يتابعوا مسرية البحث‬
     ‫والتجريب واملقارنة وغري ذلك من وسائل الكشوف العلمية والتقدم املعريف،‬
     ‫ويف الوقت نفسه فإن ذلك يفيض إىل توسيع دائرة شواهد اإلعجاز العلمي يف‬
                                                                           ‫القرآن والسنة.‬
     ‫٥. هذا اإلعجاز العلمي يعترب قناة آمنة ترفد بقية قنوات الدعوة إىل اهلل يف هذا العرص‬
     ‫الذي هو عرص العلم؛ والذي يتتبع أسباب دخول كثري من الناس يف اإلسالم - ممن‬
     ‫كانوا نصارى أو بوذيني أو يود - جيد بحق أن فريق ًا منهم قد ابتدأ سريه يف الطريق‬
                    ‫إىل احلق من خالل معاينة لطائف اإلعجاز العلمي يف القرآن والسنة.‬
     ‫٦. وال شك أن ظاهرة الرجوع إىل دين اإلسالم من قبل الذين كانوا قدم ًا من الشاردين‬
     ‫الغافلني، وأيض ًا إسالم غري املسلمني؛ كل ذلك أثمر مع ازدياد يقني املسلمني بدينهم‬
     ‫رجوع ًا حلالة العزة يف نفوس أبناء األمة اإلسالمية بعد الكبوة التي حصلت هلم عقب‬
                             ‫سقوط اخلالفة اإلسالمية وهيمنة الدوائر االستعامرية عليهم.‬
     ‫٧. وهذا كله يذكرنا باحلقيقة التي ال تتخلف أبد ًا؛ والتي أخربنا عنها رسول اهلل صىل‬
     ‫اهلل عليه وسلم بقوله: ( ال تزال طائفة من أمتي يقاتلون عىل احلق ظاهرين عىل من‬
     ‫ناوأهم حتى يقاتل آخرهم املسيح الدجال ال يرضهم من خالفهم أو من خذهلم‬
                                                                       ‫حتى يأيت أمر اهلل ).‬
     ‫إننا يف هذه اهليئة العاملية نعلنها دعوة عالية عاملية جادة للعلامء والباحثني واملهتمني بمجال‬
     ‫اإلعجاز العلمي يف القرآن والسنة أن يشاركونا بعلمهم وبرأيم وبنصحهم فنحن وإياهم‬
     ‫رشكاء يف هذا الطريق، وإلخواننا الذين يسكنون ديار الغربة خارج العامل اإلسالمي دعوة‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬   ‫21‬




‫خاصة أن يكونوا دعاة هلل يف تلك الديار باستخدام هذه الوسيلة الدعوية املؤثرة مستفيدين‬
‫من أبحاث حمققة مدققة، آملني أن نصل مع اجلميع إىل أن تكون اهليئة العاملية درة العاملني‬
                                                            ‫يف هذا املجال وجوهره ...‬
‫هذه دعوة لأن جنعل من الهيئة العاملية للإعجاز العلمي التي تاأ�ص�صت يف موطن‬
                                                       ‫ً‬
‫تنزل الوحي مكانا رحبا يجمعنا بكم على مائدة كتاب اهلل و�صنة نبيه �صلى اهلل‬
                                                                ‫عليه و�صلم ..‬
               ‫فيا مع�صر الإخوة والأخوات كونوا اأن�صار اهلل يف هذه امل�صوؤولية..‬
                                                              ‫واهلل ويل التوفيق ،،،‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬




 ‫الهدي النبوي في منع ومعالجة الغ�سب‬
                        ‫د. حممد العجرودي‬
            ‫�صيديل وباحث يف الإعجاز العلمي يف القراآن وال�صنة‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬   ‫41‬




                                                                   ‫أهداف البحث‬
‫١. بيان سبق السنة النبوية املطهرة يف منع وقوع الغضب وجتنيب املسلمني ويالته يف‬
‫وقت جيأر فيه الغرب بالشكوى من عدم وجود برامج تطبق ملنع الغضب قبل وقوعه.‬
‫٢. بيان إعجاز السنة النبوية املطهرة يف عالج وقوع الغضب بعالجات أثبت الطب بعد‬
     ‫أربعة عرش قرنا من الزمان فعاليتها مع بيان األسباب العلمية لتلك الفعالية .‬
‫٣. يف السبق واإلعجاز الطبي والنفيس ما يشهد هلل تعاىل بالوحدانية والعظمة وللنبي‬
                                       ‫صىل اهلل عليه وسلم بالرسالة والعصمة.‬
‫٤. رتيب النصائح النبوية التي وردت يف األحاديث الرشيفة ترتيبا يصلح األخذ به‬
‫كخطة عمل نبوية علمية تربوية للخالص من آفة الغضب املهلكة للفرد و املجتمع.‬
‫٥. بيان ثامر التطبيق العملية والتي أينعت عند من سار عىل هذا اهلدي املستقى من‬
                                                         ‫مشكاة الوحي.‬


                                                                   ‫أقسام البحث‬
                                                                  ‫	 •معنى الغضب‬
                                         ‫	 •كيفية حدوث الغضب وآثاره عىل البدن‬
                                             ‫	 •أنواع الغضب ومتى يكون الغضب‬
                                                ‫	 •سبع قواعد نبوية يف منع الغضب‬
                                            ‫	 •مخس قواعد نبوية يف معاجلة الغضب‬
                                    ‫	 •دالئل السبق الطبي و أوجه اإلعجاز العلمي‬
‫51‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




                         ‫	 •من ثامر اهلدي النبوي يف منع وقوع الغضب وعالجه بعد الوقوع.‬
     ‫أسأل اهلل أن جيعل هذا العمل وسائر أعاملنا خالصة لوجهه الكريم فإن أصبت فمن اهلل و‬
                                                   ‫إن أخطأت فمن نفيس و من الشيطان .‬
     ‫إن من فضل اهلل تعاىل عىل املسلمني أن جعل هلم قدوة يقتدون هبا ؛ تتمثل فيها مكارم‬
     ‫األخالق التامة ؛ التي هي من مشكاة النبوة وذلك هو رسول اهلل صىل اهلل عليه وسلم‬
     ‫الذي أثني عليه ربه عز وجل فقال:" وإنك لعيل خلق عظيم" ( القلم-4) ومن مكارم‬
     ‫األخالق التي عنيت هبا السنة وأمر هبا القرآن العظيم جماهدة نوازع الغضب ؛ وكظم الغيظ؛‬
     ‫والتحيل باحللم والعفو عند املقدرة حتي يف مواجهة املتطاولني واجلهالء ويف ذلك منهج‬
     ‫رباين أمرنا كمسلمني باألخذ به وهدي نبوي حيقق لنا النجاح يف الدنيا والنجاة يف اآلخرة .‬
     ‫وهيا إىل جولة يف بساتني القرآن والسنة ثم نعرج عىل بعض املآثر الرائعة للصحابة والتابعني‬
     ‫يف مكافحة الغضب ونوضح اإلعجاز يف هدي النبي عليه الصالة والسالم يف جمال معاجلة‬
                    ‫الغضب يف ضوء ما قدر اهلل لنا أن نتعلم يف عرص العلم هذا الذي نحياه ...‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬         ‫61‬




                    ‫الهدي القراآين يف معاجلة الغ�سب‬
‫قال تعاىل:(و َلقدْ َنعلم َأ َّنك َيضيق صدْ رك بِ َام َيقو ُلون (79) فس رِّبح بِحمد ر رِّبك وكن من‬
‫َ َ ْ َ ْ ِ َ َ َ ُ رِّ َ‬          ‫ُ َ‬                ‫َ َ َُْ َ ِ ُ َ ُ َ‬
                                                   ‫َ ْ َ َ َ َّ َ ْ َ ْ َ ِ‬
                  ‫الساجدين (89) واع ُبدْ ر َّبك حتى يأت َِيك اليقنيُ (99)" (احلجر 79-99)‬  ‫َّ ِ ِ َ‬
‫يبني اهلل لرسوله صىل اهلل عليه وآله وسلم - ولألمة كلها من خلفه - كيف يعالج الغضب‬
‫باللجوء إليه سبحانه بالتسبيح بحمده و السجود، ويف الذكر و السجود واالستنصار باهلل‬
                                ‫وأوجه إعجاز سوف نتطرق هلا الحقا إن شاء اهلل تعاىل‬
‫ويقول ربنا تبارك وتعايل يف حمكم التنزيل : (والذين جيتنبون كبائر اإلثم والفواحش وإذا‬
                                               ‫ما غضبوا هم يغفرون) (الشورى 34)‬
‫ويقول عز وجل : " الذين ينفقون يف الرساء والرضاء والكاظمني الغيظ والعافني عن‬
                                   ‫الناس واهلل حيب املحسنني " (آل عمران -431)‬
‫ويقول جل وعال: " وعباد الرمحن الذين يمشون عىل األرض هونا وإذا خاطبهم‬
                                      ‫اجلاهلون قالوا سالم ًا" ( الفرقان – 36)‬
‫أي أن اهلل عز وجل قد جعل من كظم الغيظ والتسامح عند الغضب والقول احلسن عند‬
‫أذى اجلاهلني وسائل للتقرب إىل اهلل والدخول يف زمرة عباد الرمحن الذين حيبهم اهلل تعاىل‬
                                                                           ‫ويؤثرهم .‬
‫لقد ورد ذكر العفو و املغفرة يف القرآن الكريم 432 مرة مقابل ذكر الغضب 42 مرة،‬
‫منها 5 مرات غضب إنساين و الباقي غضب من اهلل بمعنى العقاب ،فإن كان من داللة هلذا‬
‫التفاوت فهي أمهية الصفح والعفو و التسامح ، ألن الغضب ينبغي أن يكون نادر الوقوع‬
                                                           ‫وبام يناسب ردع الظاملني.‬
‫71‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




                                                                      ‫ما هو الغضب؟‬
     ‫الغضب سلوك يشرتك يف حصوله ثالثة عوامل رئيسة تشكل كيان اإلنسان وهي:‬
     ‫العوامل البيولوجية ومتثل اجلسد، و العوامل الفكرية ومتثل العقل والعوامل النفسية ومتثل‬
                                                                      ‫املشاعر و الوجدان.‬
     ‫والغضب هو ترصف انفعايل يصدر ردا عىل موقف استفزازي قد يفقد فيه الغاضب‬
                                                                 ‫تعقله و اتزانه.‬


                                                      ‫من معاني الغضب في اللغة:‬
                                                             ‫١. السخط: خالف الرضا‬
                                              ‫٢. الغيظ: غضب كامن للعاجز عن التشفي‬
                                     ‫٣. احلرد: يغتاظ اإلنسان فيتحرش بالذي غاظه ويم به‬
                                                      ‫٤. احلنق:شدة االغتياظ مع احلقد.‬


                                     ‫كيف يحدث الغضب في داخل جسم اإلنسان؟‬
     ‫١. تبدأ عاطفة اإلنسان يف املخ يف اجلزء الذي يسمي بـ(‪ )amygdala‬وهو اجلزء‬
     ‫املسئول عن حتديد املخاطر وإرسال التنبيهات وتتوتر عضالت اجلسم ويفرز املخ‬
     ‫هذه املواد اهلامة املسامة بالـ(‪ )catecholamines‬التي تسبب الشعور بدفعة من‬
     ‫الطاقة تستمر لعدة دقائق وتتزايد معدالت رضبات القلب ويرتفع ضغط الدم‬
     ‫وتزيد رسعة التنفس وحيمر الوجه وتستعد األطراف واألعضاء لرد الفعل اجلسدي‬
              ‫، ويفرز املزيد من األدرينالني الذي يطيل مدة بقاء اإلنسان يف حالة توتر .‬
     ‫٢. وإذا كان للغضب مرحلة إعداد فسيولوجية سابقة حلدوثه ، فانه توجد أيضا مرحلة‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬   ‫81‬




‫أخري هي مرحلة "هدوء العاصفة” حيث يستعيد اجلسم اسرتخاءه لكن من الصعب‬
‫العودة للحالة الطبيعية رسيع ًا الن "األدرينالني” جيعل الغاضب يف حالة حتفز قد تستمر‬
       ‫لساعات أو أيام وقد يكون خالهلا عرضة لنوبة جديدة من الغضب فيام بعد .‬


                                        ‫استعدادات الجسم لمواجهة الغضب‬
‫كقاعدة عامة ينشط اجلهاز العصبي الودي األجهزة التي حيتاجها اجلسم عند املرور‬
‫بخربة الضغوط و منها الغضب ، بينام عىل اجلانب اآلخر يلعب اجلهاز العصبي اجلار ودي‬
‫دوره لتثبيط األجهزة التي ليس هلا احتياج يف مواجهة الضغوط الواقعة عىل اجلسم عند‬
                                                                       ‫الغضب.‬
   ‫	 •فمثال حتدث زيادة رسيعة يف ضغط الدم و معدل رضبات القلب و التنفس لترسيع‬
                         ‫نقل األوكسجني واملواد الغذائية للعضالت و اجلوارح.‬
   ‫	 •ويتم التحرك الرسيع للطاقة من خمازهنا يف الكبد و العضالت واخلاليا الدهنية مما‬
                         ‫يؤدي إىل توافر اجللوكوز و الدهون و الربوتينات البسيطة.‬
   ‫	 •تفرز ”الببتيدات" وهي وسيلة االتصال بني أجزاء اجلسم املختلفة وهلا مستقبالت‬
                 ‫يف كل عضو حيث تشكل الببتيدات ومستقبالهتا كيمياء املشاعر.‬
                         ‫	 •تستدعي الذاكرة اخلربات السابقة ملواجهة موقف الغضب.‬
                       ‫	 •عىل اجلانب اآلخر تثبط املناعة ، ألجل توفري الطاقة للغضب.‬
         ‫	 •يتوقف اهلضم وتتلقى األمعاء أمرا بتفريغ الطعام املهضوم ليخف وزن اجلسد.‬
                            ‫	 •تتوقف وظائف التبويض و االنتصاب و الرغبة اجلنسية .‬
         ‫	 •يتوقف اإلنسولني وهرمونات النمو و اهلرمونات اجلنسية لتوفري الطاقة للجسم.‬
                                                              ‫	 •يقل اإلحساس باألمل.‬
‫91‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




                                                         ‫ً‬
                                                         ‫مواجهة الغضب هرمونيا‬

     ‫)‪Hypothalamic-pituitary-adrenal axis (HPA‬‬
        ‫	 •تستحث حتت املهاد الغدة النخامية إلفراز ”الكورتيكوتروبني" الذي يعد إفرازه‬
                         ‫بمثابة إشارة للغدة اجلار كلوية إلفراز الكورتيزون من قرشهتا.‬
        ‫	 •ومن الغدة اجلار كلوية أيضا، ولكن من اللب يتحرر هرمونا ”األدرينالني" و"النور‬
                                              ‫أدرينالني" بفعل اجلهاز العصبي الودي.‬
               ‫	 •يفرز البنكرياس هرمون ”اجللوكاجون" الذي يرفع مستوى السكر يف الدم.‬
        ‫	 •تقوم الغدة النخامية بإطالق ”الربوالكتني" الذي يثبط األجهزة التناسلية‬
                                   ‫و"الفازوبريسني" وهو هرمون مضاد إلدرار املاء.‬
        ‫	 •يقوم املخ و الغدة النخامية بإفراز مواد مشاهبة للمورفني تسمى ”إندورفني" و‬
                                        ‫”إنكفالني" والتي تقلل اإلحساس باألمل.‬


                                           ‫اآلثار الصحية السيئة للغضب على الجسم :‬
     ‫١. الغضب يؤثر عىل قلب اإلنسان تأثري "اجلري” فيزيد من عدد مرات االنقباض يف‬
     ‫الدقيقة الواحدة فيضاعف بذلك كمية الدماء التي يدفعها القلب وهذا جيهد القلب‬
     ‫ألنه جيربه عىل زيادة معدالت عمله عن املعتاد ، ولكن الفارق اهلام أن اجلري يف‬
                                                   ‫ً‬
     ‫إجهاده للقلب ال يستمر طويال إذ يتوقف من جيري فور إحساسه بالتعب أما يف‬
     ‫الغضب فال يستطيع الغاضب السيطرة عىل غضبه وعىل تأثري هذا الغضب – بعد أن‬
                                                                      ‫ً‬
                                                         ‫انفعل فعال – عىل قلبه .‬
     ‫٢. يصاب الغاضب بارتفاع ضغط الدم الضطراب قلبه كي يدفع كمية من الدماء‬
     ‫الزائدة عن املعتاد وبذلك تفقد الرشايني تدرجيي ًا مرونتها وقدرهتا عىل االتساع‬
     ‫فتتصلب جدراهنا لكي تستطيع أن مترر تلك الكمية الزائدة من الدماء التي يضخها‬
                                                                  ‫القلب املنفعل .‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬   ‫02‬




‫٣. قد يؤدي االرتفاع املفاجئ للضغط إىل نزف دماغي يؤدي إىل إصابة الغاضب باجللطة‬
‫املخية أو يؤثر عىل أوعية العني الدموية فيسبب "العمى املفاجئ” أو يؤدي إيل جلطة‬
     ‫قلبية وكثري ًا ما نسمع عن تلك احلوادث املؤملة التي تنتج عن حلظات غضب !‬
‫٤. ارتفاع النور أدرينالني يف الدم حيرر "اجلليكوجني” من خمازنه يف الكبد مما يرفع‬
‫مستوي السكر الدموي ، إذ من املعلوم أن معظم حوادث السكر تبدأ بعد انفعال‬
                                                           ‫شديد أو غضب .‬
‫٥. ارتفاع األدرينالني يرصف كثري ًا من الطاقة املدخرة مما يؤدي إيل شعور الغاضب‬
                                             ‫بسخونة جلده وارتفاع حرارته .‬
‫٦. ترتفع شحوم الدم مما يؤهب حلدوث تصلب الرشايني ، وتثبيط حركة األمعاء حيث‬
   ‫حيدث إمساك شديد وهذا سبب إصابة ذوي املزاج العصبي باإلمساك املزمن .‬
‫٧. يزداد إفراز "الكورتيزون” من قرشة الغدة الكظرية فتزيد الدهون يف الدم عىل‬
‫حساب الربوتني وحيلل الكورتيزون النسيج الليمفاوي مؤدي ًا إيل نقص املناعة وفتح‬
‫الطريق للميكروبات لتحدث التهابات عديدة ، وهذا ما يعلل ظهور التهاب حاد يف‬
                                                  ‫اللوزتني عقب االنفعال احلاد .‬
‫٨. يزيد الكورتيزون من محوضة املعدة مما ييئ حلدوث قرحة املعدة أو ارتفاع احلموضة هبا .‬
‫٩. أثبتت الدراسات الطبية مؤخرا العالقة الوثيقة بني االنفعاالت النفسية- ومنها‬
‫الغضب- وبني اإلصابة باألورام اخلبيثة حيث أن االضطراب اهلرموين يف الغدد‬
                         ‫يساعد عىل ظهور بؤرة رسطانية يف احد أجهزة اجلسم.‬
‫أي أن الغضب – مما سبق – مهلك للجسم البرشي مستنفذ لقواه ، وقد جاءت التعاليم‬
          ‫النبوية بطرق ناجعه ملكافحة هذه التأثريات السلبية للغضب عىل اجلسم كام ييل :‬
‫12‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




                                                        ‫ً‬
              ‫اأول: منهج النبي �سلى اهلل عليه واآله و�سلم يف‬
                              ‫منع وقع الغ�سب‬
     ‫يتكون منهج النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم يف مكافحة وقع الغضب من مخس أسس‬
                                                                  ‫نورانية رشيفة:‬
                                                            ‫١. الأمر املبا�صر لتغ�صب:‬
        ‫	 •عن أيب الدرداء ريض اهلل عنه قال : قال رجل لرسول اهلل صىل اهلل عليه وسلم‬
        ‫دلني عىل عمل يدخلني اجلنة" قال : "ال تغضب" ولك اجلنة . ( الرتغيب‬
                                                                ‫والرتهيب 3 / 644 )‬
        ‫	 •وخرج الرتمذي هذا احلديث ـ يف رواية له ـ ولفظه : جاء رجل إىل النبي صىل اهلل‬
        ‫عليه وسلم فقال : علمني شيئا وال تكثر عىل لعيل أعيه ، قال:( ال تغضب)، فردد‬
            ‫ذلك مرارا كل ذلك يقول : "التغضب” ( الرتمذي 4/173 حديث رقم 0202 )‬

                                                ‫ً‬
        ‫	 •وعن أيب هريرة ريض اهلل " أن رجال قال للنبي صىل اهلل عليه وسلم أوصني فقال‬
        ‫: "ال تغضب فردد مرار ًا فقال : "ال تغضب " (رواه البخاري يف األدب حديث‬
                                                                         ‫رقم 6116)‬
        ‫	 •وعن عبد اهلل بن عمرو – ريض اهلل عنهام – أنه سال رسول اهلل صىل اهلل عليه‬
        ‫وسلم ما ذا يباعدين من غضب اهلل قال:”ال تغضب" .( مسند أمحد 2 / 571)‬
                                                                        ‫بإسناد حسن.‬
                       ‫فاجلزاء من جنس العمل ومن ترك شيئا هلل عوضه اهلل تعاىل خري ًا منه .‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬   ‫22‬




‫وقد أحىص أحد علامء املسلمني-هو الشيخ سليامن العلوان جزاه اهلل خريا- أكثر من‬
‫مخسني فائدة هلذا احلديث الذي هوقليل املبنى عظيم األثر و املعنى وهو إعجاز بياين بالغي‬
                             ‫لسيد البرش و خاتم املرسلني عليه أفضل الصالة والتسليم.‬
                                               ‫٢. التذكرة بر�صاء اهلل و حب اهلل:‬
   ‫	 •عن ابن عمر ريض اهلل عنهام قال : قال رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم :‬
   ‫"ما من جرعة أعظم أجرا عند اهلل من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه اهلل"‬
                                        ‫( رواه ابن ماجة حديث رقم 9814 )‬
                                    ‫ً‬
   ‫	 •وقد مدح النبي صىل اهلل عليه وسلم األشج قائال له : " إن فيك خصلتني حيبهام اهلل‬
                          ‫:احللم واألناة "(رواه مسلم يف اإليامن حديث رقم 66) .‬
                                                              ‫٣. الرتغيب يف اجلنة:‬
   ‫	 •عن معاذ بن أنس اجلهني ريض اهلل عنه أن النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم قال:‬
   ‫"من كظم غيظ ًا وهو قادر عىل أن ينفذه دعاه اهلل عىل رؤوس اخلالئق يوم القيامة‬
   ‫حتى خيريه من احلور العني فيزوجه منها ما شاء" (مسند أمحد 91651، سنن أيب داود‬
                               ‫7414،الرتمذي 7142، ابن ماجة 6714) بإسناد حسن .‬

‫٤. ترغيب العرب ببيان ال�صدة وال�صجاعة يف حجز النف�س عن الغ�صب(وهو ما‬
                                                         ‫يحبونه):‬
   ‫	 •فعن أنس ريض اهلل عنه أن النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم مر بقوم يصطرعون‬
   ‫فقال : "ما هذا ؟ " قالوا: فالن ال يصارع أحد ًا إال رصعه فقال :" أفال أدلكم‬
   ‫عىل من هو أشد منه ؟ رجل كلمه رجل فكظم غيظه فغلبه وغلب شيطانه وغلب‬
          ‫شيطان صاحبه" (رواه البزار قال ابن حجر بإسناد حسن . الفتح 01/915) وحسن إسناده‬

   ‫	 •روي أبو هريرة ريض اهلل عنه أن النبي صىل اهلل عليه وسلم قال :" ليس الشديد‬
       ‫بالرصعة إنام الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" (البخاري 4116 أمحد 2/632).‬
‫32‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




     ‫وهلذا فقد حث الرسول صىل اهلل عليه و آله وسلم عىل متالك النفس لو وقع الغضب‬
                                                                           ‫ُ‬
     ‫فقد ورد املعنى املراد وأنه يتمثل يف أن القوة احلقيقية تكمن يف امتالك النفس والسيطرة‬
                                                    ‫ٌ‬
     ‫عليها عند فوران الغضب.وهذا فيه تربية لإلنسان املسلم عىل ُجماهدة النفس ومغالبتها عىل‬
                ‫ُ‬
     ‫عدم الغضب بأن تعلم أن التحكم يف حال انفعال الغضب إنام ُيقوي إرادة اإلنسان عىل‬
                                             ‫رِّ‬
     ‫التحكم يف مجيع أهواء النفس وشهواهتا ، و ُيمكن اإلنسان يف النهاية من أن يكون مالك‬
                                                       ‫نفسه وسيدها وليس عبد ًا النفعاالته.‬
                                            ‫٥. الرتهيب من ف�صاد الإميان وغ�صب اهلل:‬
        ‫	 •كراهة قضاء القايض وهو غضبان : عن عبدالرمحن بن أيب بكرة. قال: كتب أيب‬
        ‫(وكتبت له) إىل عبيداهلل بن أيب بكرة وهو قاض بسجستان: أن ال حتكم بني اثنني‬
        ‫وأنت غضبان.فإين سمعت رسول اهلل صىل اهلل عليه وسلم يقول:(ال حيكم أحد‬
                                                     ‫بني اثنني وهو غضبان).رواه مسلم‬
        ‫	 •وعن أيب مسعود البدري قال : كنت أرضب غالم ًا يل بالسوط فسمعت صوت ًا من‬
        ‫خلفي "اعلم أبا مسعود” فلم أفهم الصوت من الغضب ، قال فلام دنا مني إذا هو‬
        ‫رسول اهلل صىل اهلل عليه وسلم فإذا هو يقول "اعلم أبا مسعود اعلم أبا مسعود”‬
        ‫قال فألقيت السوط من يدي . ويف رواية فسقط من يدي السوط من هيبته فقال‬
        ‫"اعلم أبا مسعود أن اهلل أقدر عليك منك عىل هذا الغالم” ، قال : فقلت ال‬
        ‫أرضب مملوك ًا بعده أبد ًا . ويف رواية فقلت : يا رسول اهلل هو حر لوجه اهلل ، فقال‬
        ‫"أما لو مل تفعل للفحتك النار أو ملستك النار” (رواه مسلم) . ويف رواية ملسلم‬
        ‫أيضا فقال رسول اهلل صىل اهلل عليه وسلم "واهلل هلل أقدر عليك منك عليه” قال‬
        ‫فأعتقه . وعن أيب مسعود األنصاري قال : كنت أرضب مملوك ًا يل فسمعت قائال‬
        ‫من خلفي يقول : "اعلم أبا مسعود اعلم أبا مسعود” فالتفت فإذا برسول اهلل‬
        ‫صىل اهلل عليه وسلم فقال : "هلل أقدر عليك منك عليه” ، قال أبو مسعود : فام‬
                                                        ‫رضبت مملوك ًا يل بعد ذلك .‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬     ‫42‬




‫٦. القدوة باملثال : هديه �صلى اهلل عليه و�صلم يف التحلم والتب�صم يف مواطن‬
                                                 ‫الغيظ والغ�صب للنف�س‬
‫وهذه السمة من أخالقه صىل اهلل عليه وسلم ، واضحة يف عدة أحاديث من أبرزها : عن‬
‫أنس ريض اهلل عنه قال : كنت أميش مع رسول اهلل صىل اهلل عليه وسلم ، وعليه ُبرد نجراين‬
‫غليظ احلاشية ، فأدركه أعرايب فجبذه بردائه جبذة شديدة ، فنظرت إىل صفحة عاتق النبي‬
‫صىل اهلل عليه وسلم ( ما بني العنق والكتف ) وقد أثرت هبا حاشية الربد ، ثم قال : يا حممد‬
‫مر يل من مال اهلل الذي عندك ، فالتفت إليه صىل اهلل عليه وسلم فضحك ، ثم أمر له بعطاء‬   ‫ُ‬
                                                  ‫(متفق عليه فتح الباري 01/505 ).‬
‫ومثل ذلك املوقف الذي حدث مع احلرب اليهودي زيد بن سعنة والذي انتهى بإسالم هذا‬
‫اليهودي لتيقنه من أن التحلم يف مواطن الغضب للنفس من سامت النبوة ليكون يف ذلك‬
‫درس عميل نبوي لكل مسلم أراد أن يكون داعية ، بأن التحلم يف مواطن الغضب للنفس‬
                                                ‫من األدوات العملية للداعية الناجح.‬
                                          ‫٧. الإعجاز يف نهي ال�صائم عن الغ�صب:‬
‫عن أيب هريرة ريض اهلل عنه قال : قال رسول اهلل صىل اهلل عليه وسلم : "إذا كان يوم صوم‬
‫أحدكم فال يرفث، وال يصخب ، فإن سابه أحد، أو قاتله ، فليقل إين امرؤ صائم”. (متفق‬
                                            ‫عليه) ( البخاري مع الفتح 4/811 حديث رقم 4091 )‬

‫ولكون الصائم أكثر استجابة لدواعي الغضب يف آخر النهار عندما ينقص السكر يف‬
‫اجلسم مما جيعله معرض ًا لبعض األرضار؛ لذلك أكد الرسول صىل اهلل عليه وسلم عىل‬
‫الصائمني أن يمسكوا عن دواعي الغضب واخلصومات املفضية إىل تلك األرضار.فقد‬
‫اكتشف العلم أن الصائم إذا اعرتاه غضب وانفعل وتوتر ازداد إفراز هرمون االدرينالني‬
‫يف دمه زيادة كبرية تصل من 02 إىل 03 ضعف ًا عن معدله العادي أثناء الغضب الشديد‬
‫أو العراك .فإن حدث هذا يف أول الصوم أثناء فرتة اهلضم "االمتصاص” اضطرب هضم‬
‫الغذاء وامتصاصه زيادة عىل االضطراب العام يف مجيع أجهزة اجلسم ذلك ألن األدرينالني‬
‫يعمل عىل ارختاء العضالت امللساء يف اجلهاز اهلضمي ويقلل من تقلصات املرارة ويعمل‬
‫52‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




     ‫عىل تضييق األوعية الدموية الطرفية وتوسيع األوعية التاجية كام يرفع الضغط الدموي‬
                                                                         ‫َ‬
     ‫الرشياين ويزيد كمية الدم الواردة إىل القلب وعدد دقاته .وإن حدث الغضب والشجار‬
                                            ‫َ‬
     ‫يف منتصف النهار أو آخره أي أثناء فرتة ما بعد االمتصاص حتلل ما تبقى من خمزون‬
     ‫اجلليكوجني يف الكبد وحتلل بروتني اجلسم إىل أمحاض أمينية وتأكسد املزيد من األمحاض‬
     ‫الدهنية.كل ذلك لريتفع مستوى اجللوكوز يف الدم فيحرتق ليمد اجلسم بالطاقة الالزمة يف‬
                                 ‫ُ‬
     ‫الشجار والعراك وهبذا ُتستهلك الطاقة بغري ترشيد و ُيفقد بعض اجللوكوز مع البول إن زاد‬
                                                ‫ً‬
     ‫عن املعدل الطبيعي .وبالتايل يفقد اجلسم كمية من الطاقة احليوية اهلامة يف غري فائدة تعود‬
                                                     ‫ُ‬
     ‫عليه ويضطر إىل استهالك الطاقة من األمحاض الدهنية التي يؤكسد املزيد منها وقد تؤدي‬
                                                  ‫إىل تولد األجسام الكيتونية الضارة يف الدم .‬
                         ‫كما اأن الزدياد ال�صديد للأدرينالني يف الدم يعمل على الآتي :‬
                        ‫١. خروج كميات كبرية من املاء من اجلسم بواسطة اإلدرار البويل .‬
     ‫٢. ارتفاع معدل االستقالب األسايس عند الغضب والتوتر ؛ نتيجة الرتفاع االدرينالني‬
                                                                  ‫والشد العضيل.‬
     ‫٣. يؤدى لنوبات قلبية أو موت الفجأة عند بعض األشخاص املهيئني لذلك ؛ نتيجة‬
       ‫الرتفاع ضغط الدم وزيادة حاجة عضلة القلب لألكسجني من جراء ازدياد رسعته‬
     ‫٤. وقد يسبب النوبات الدماغية لدى املصابني بارتفاع ضغط الدم وتصلب الرشايني.‬
     ‫٥. يزيد من تكون الكوليسرتول من الدهن الربوتيني منخفض الكثافة وثبتت عالقته‬
                                                      ‫بمرض تصلب الرشايني.‬
      ‫هلذا ولغريه أمر النبي صىل اهلل عليه وسلم الصائم بالسكينة وعدم الغضب واالنفعال.‬
     ‫لقد أدرك النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم بنور وحي النبوة خطورة انفعاالت الغضب‬
     ‫قبل أن يكتشفها الطب بقرون ودعا – بحكمة – املسلمني إيل تفادي الغضب فكثرت‬
     ‫أحاديثه التي وردت هبا تلكم النصيحة الذهبية الغالية ” ال تغضب" والتي ثبت نفعها‬
     ‫العظيم طبيا ونفسيا ، و قدم النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم أساليب خمتلفة يف جمال‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬   ‫62‬




‫الرتغيب بام حيفظ النفس من الغضب، ثم الرتهيب من الوقوع فيه ، أساليب شملت العلم‬
‫و العمل... آخذا بأيدي املسلمني إيل جادة الصواب رمحة هبم وحفاظ ًا عىل صحة أبداهنم‬
              ‫من جمموعة من األمراض املهلكة كام بينا بفضل اهلل يف صدر هذا البحث.‬


         ‫و السؤال اآلن..هل هناك برامج مطبقة لمنع وقوع الغضب؟‬
‫أطلق املوقع اإلخباري ”يب يب يس" بتاريخ 52 مارس 8002صيحة ضمن تقرير‬
‫بعنوان ”مشاكل الغضب بال عالج" جاء فيه: مؤسسة الصحة النفسية األمريكية تقول :‬
‫”ال يتم التعامل مع الغضب إال بعد أن يرتكب شخص ما جريمة عنف مدمرة" يف إشارة‬
‫واضحة أنه ليس هناك برامج ملنع وقوع الغضب! ويقول التقرير أيضا: ” نحتاج للمزيد‬
‫من األبحاث و طرق التعليم ملواجهة الغضب و التدخل املبكر قبل املشاكل الناجتة عنه".‬
‫وقال املدير التنفيذي للمؤسسة الدكتور "أندرو مكولوك" :إنه ملستنكر أن خيذل الناس حني‬
‫يتعلق األمر بالغضب بينام تتم مساعدهتم لعالج اإلحباط والقلق واضطرابات الغذاء وكثري‬
‫من األدواء النفسية. وأمجع الباحثون عىل أن التغلب عىل مشكلة الغضب بات أمرا ليس‬
‫سهال ! وأكد التقرير أن الغضب أصبح معضلة كربى تشمل ربع املجتمع إحصائيا و نادى‬
‫برضورة أال يغضب اإلنسان -خاصة الشباب - كوسيلة هلدف هو عالج غالبية مشاكل‬
                                                                         ‫املجتمع.‬
‫أما املعهد الربيطاين إلدارة الغضب فيؤكد ماييل: "لقد أصبح التعامل مع الغضب اليوم‬
         ‫أمرا يف غاية التعقيد و البد من اتباع قواعد التوافق مع املجتمع الذي نحيا به".‬
‫وهنا يربز السبق النبوي املعجز قبل مئات من السنوات حيث وضع النبي صىل اهلل‬
‫عليه و سلم ألتباعه العاملني بسنته املتبعني هلديه الرشيف برناجما متكامال رائعا مكونا من‬
‫القواعد السبعة التي أسلفناها ، و التي هبا سبق نبوي علمي طابقه العلم احلديث بل وأثبتت‬
‫األبحاث الطبية و النفسية جدواها يف الوقت الذي تتحري فيه املؤسسات و املعاهد الطبية يف‬
                                            ‫إجياد برامج ملنع وقوع الغضب قبل حدوثه.‬
‫72‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




                    ‫ثانيا: الهدي النبوي يف معاجلة الغ�سب‬
     ‫يتكون منهج النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم يف عالج الغضب من مخس قواعد نورانية‬
                                                             ‫نوجزها بإذن اهلل يف التايل:‬


                                                          ‫1- السكوت فور الغضب :‬
     ‫دعا النبي صىل اهلل عليه وسلم الغاضب إيل السكوت فورا فعن عبد اهلل بن عباس ريض‬
                   ‫اهلل عنهام أن النبي صىل اهلل عليه وسلم قال:” علموا ويرسوا وال تعرسوا‬
     ‫وإذا غضب أحدكم فليسكت " (رواه اإلمام أمحد يف املسند 1/932 ، ويف صحيح‬
            ‫اجلامع 396 ، 7204 والطياليس (8062) والبخاري يف األدب املفرد (542).‬


                                           ‫2- االستعاذة باهلل من الشيطان الرجيم :‬
     ‫عن سلامن بن رصد ريض اهلل عنه قال:”استب رجالن عند النبي صىل اهلل عليه وآله‬
     ‫وسلم وأحدمها يسب صاحبه مغضب ًا قد امحر وجهه فقال النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم:‬
     ‫"إين ألعلم كلمة لو قاهلا لذهب عنه ما جيد ، لو قال:”أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم” (رواه‬
                                                  ‫البخاري ، الفتح 6/733 ومسلم0162)‬
                   ‫وورد أن الشيطان يرصع العبد عند ثالث : الغضب ، والشهوة، والغفلة .‬
     ‫ويقول د. إبراهيم الراوي: "ينصح علامء الطب النفيس األشخاص الذي يتعرضون إيل‬
     ‫نوبات الغضب إيل متارين خاصة إلطفاء ثورة الغضب منها أن يعد الشخص من 1 إيل 03‬
                                                            ‫قبل النطق بأي حرف”‬
     ‫هذه احلقائق يف جمال الطب النفيس سبق هبا و طبقها النبي صىل اهلل عليه و آله وسلم‬
     ‫األطباء و حكامء الساسة بقرون حني أمر الغاضب أن يسكت وذلك أن الغاضب ربام خيرج‬
     ‫عن شعوره فيتلفظ بكلامت قد يكون فيها كفر أو سب جيلب له العداوات أو طالق يدم بيتا‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬   ‫82‬




‫، وبالكلية فإن السكوت حل وقائي لتاليف كل ذلك . هذا من ناحية ، ثم أن يتعوذ باهلل وهذا‬
‫أفضل - بال شك - من أن يعد أرقاما بل إنه األمثل الستعانته باهلل أن يدرأ عنه الغضب‬
                                                ‫ويعيذه ممن يدفعه إليه أال و هو الشيطان.‬
‫و لعل هذا م�صتمد من الو�صية القراآنية : (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ باهلل‬
                                               ‫إنه هو السميع العليم ” (فصلت -63).‬
‫و من الأمر القراآين: (وقل رب أعوذ بك من مهزات الشياطني* و أعوذ بك رب أن‬
                                              ‫حيرضون" ( املؤمنون 79-89)‬


                                                               ‫3- تغيير الوضعية:‬
             ‫عن أيب ذر الغفاري ريض اهلل عنه أن النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم قال :‬
‫«اإذا غ�صب اأحدكم وهو قائم فليجل�س ، فاإن ذهب عنه الغ�صب واإل فلي�صطجع”‬
                                                              ‫(رواه أبو داود 5/ 141 )‬
‫وراوي هذا احلديث أبو ذر ريض اهلل عنه ، حدثت له يف ذلك قصة : فقد كان يسقي عىل‬
‫حوض له فجاء قوم فقال : أيكم يورد عىل أيب ذر وحيتسب شعرات من رأسه ؟ فقال رجل‬
                                        ‫ّ‬      ‫ّ‬
‫أنا فجاء الرجل فأورد عليه احلوض فدقه أي حطمه (واملراد أن أبا ذر كان يتوقع من الرجل‬
‫املساعدة يف سقي اإلبل من احلوض فإذا بالرجل ييسء ويتسبب يف هدم احلوض) ، وكان‬
                                                                      ‫ً‬
‫أبو ذر قائام فجلس ثم اضطجع فقيل له : يا أبا ذر مل جلست ثم اضطجعت ؟ قال فقال :‬
‫إن رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم .... وذكر احلديث بقصته ( مسند أمحد 5/251‬
                         ‫وصحيح اجلامع رقم 496 وفيض القدير ، املناوي 1/804) .‬
‫قال العالمة اخلطايب - رمحه اهلل - يف رشحه عىل أيب داود : ( القائم متهييء للحركة‬
‫والبطش والقاعد دونه يف هذا املعنى ، واملضطجع ممنوع منهام ، فيشبه أن يكون النبي صىل‬
‫اهلل عليه وآله وسلم إنام أمره بالقعود واالضطجاع لئال يبدر منه يف حال قيامه وقعوده بادرة‬
                                                                    ‫يندم عليها فيام بعد‬
‫92‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




     ‫ويقول د .حسان شميس باشا :”جاء يف كتاب هاريسون الطبي انه من الثابت علمي ًا أن‬
     ‫هرمون النور أدرينالني يزداد من ضعفني إيل ثالثة لدي الوقوف أما هرمون األدرينالني فيزداد‬
     ‫بنسبة بسيطة لكن الغضب يزيد من نسبته يف الدم – وال شك أن العاملني مع ًا – الغضب‬
               ‫والوقوف – يرفع نسبتهام ويبدآن يف التأثري سلبيا يف اجلسم بالتأثريات اآلنف ذكرها .‬
     ‫أليس يف ذلك سبق طبي به إعجاز للنبي صىل اهلل عليه وسلم ليصف هذا العالج اليسري‬
     ‫ذا الفائدة الطبية العظيمة يف هتدئة الغضب ؟ فمن علمه ذلك قبل اكتشاف العلوم الطبية‬
                                 ‫بقرون .. ال شك أنه الوحي .. وهنا يرشق إعجاز النبوة .‬


                                                                                      ‫4- الوضوء :‬
             ‫عن عطية السعدي ريض اهلل عنه قال: قال رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله وسلم :‬
     ‫"إذا غضب أحدكم فليتوضأ فإنام الغضب من النار” (أخرجه أبو داود) ويف رواية: "إن‬
     ‫الغضب من الشيطان وان الشيطان خلق من النار وإنام تطفأ النار باملاء، فإذا غضب أحدكم‬
                                            ‫فليتوضأ”( رواه أمحد 4/622 وأبو داود 4874)‬
     ‫و َأخرج ا ْبن عساكر : ”ا ْلغضب من الش ْيطان ، والش ْيطان خلقَ من ال َّنار ، واملَاء ُيطفئ‬
     ‫ِ َ ْ ُ ْ ُِ‬             ‫َ َ ُ ِ ْ َّ َ ِ َ َّ َ ُ ُ ِ ِ ْ‬                ‫َ ْ َ َ ُ َ َ َِ‬
                                                               ‫ال َّنار فإِذا غضب َأحدُ كم فل َيغْ تَسل ”‬
                                                                 ‫َ َ َ َ ِ َ َ ُ ْ َْ ِ ْ‬
     ‫واالغتسال باملاء البارد توصية طبية معروفة من أطباء األعصاب عىل عهدنا هذا لتهدئة‬
     ‫اجلهاز العصبي وتربيد السطح ‪ ، surface cooling‬ويأيت الوضوء ليخفف آثار الغضب‬
     ‫من حرارة اجلسم والتعرق واإلحساس بالضيق .. كام أن الوضوء يضفي لدى املسلم شعور ًا‬
     ‫بالعبودية هلل عند قيامه هبذا الفعل التعبدي الذي يذهب عنه الغضب ويعطيه إحساسا‬
                                                ‫بالرضا واخلشوع وانكسار جذوة الغضب .‬
     ‫وقد ثبت أيضا علميا سخونة اجللد بتأثري الغضب (لزيادة عمليات االستقالب كام‬
     ‫ذكرنا) وهذا التأثري ينحرس جدا مع الوضوء ملا حيدثه من ترطيب لسطح اجللد باملاء. ويف‬
                                                                        ‫الوضوء أيضا:‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬   ‫03‬




   ‫	 •غسل الوجه واليدين: ولغسل الوجه واليدين إىل املرفقني فائدة كبرية يف إزالة‬
   ‫العرق من سطح اجللد، كام أنه ينظف اجللد من املواد الدهنية التي تفرزها الغدد‬
                                                                      ‫اجللدية.‬
   ‫	 •غسل القدميــن: أما غسل القدمني مع التدليك اجليد فإنه يؤدي إىل الشعور‬
   ‫باهلدوء والسكينة، ملا يف األقدام من منعكسات ألجهزة اجلسم كله، وكأن هذا‬
   ‫الذي يذهب ليتوضأ قد ذهب يف نفس الوقت يدلك كل أجهزة جسمه عىل‬
   ‫حدة بينام هو يغسل قدميه باملاء ويدلكهام بعناية. وهذا من أرسار ذلك الشعور‬
   ‫بالسكينة الذي يلف املسلم بعد أن يتوضأ فال يليق به عندئذ أن يستأنف غضبته و‬
                                                                    ‫ثورته...‬
   ‫	 •قال الدكتور أمحد شوقي إبراهيم عضو اجلمعية الطبية امللكية بلندن واستشاري‬
   ‫األمراض الباطنية والقلب :”توصل العلامء إىل أن سقوط أشعة الضوء [ ‪Light‬‬
   ‫‪ ]photons‬عىل املاء أثناء الوضوء يؤدي إىل انطالق أيونات سالبة تؤدي إىل‬
   ‫اسرتخاء األعصاب والعضالت فتزيل أي انفعال ناتج عن الغضب... فسبحان‬
                                                                ‫اهلل العظيم".‬
   ‫	 •عند الوضوء باملاء البارد حتدث تغيريات يف أجسامنا؛ ألن املاء من أهم‬
   ‫عنارص اجلسد، وحيتاج اجلسم إىل املاء لتربيده عندما ترتفع درجة حرارة اجلسم،‬
   ‫وذلك بتبخر املياه الداخلية بواسطة العرق، لذا يقوم الوضوء بدور هام يف تربيد‬
                      ‫اجلسد من اخلارج ويساعد يف عملية انخفاض درجة احلرارة.‬


                                                      ‫5- إلصاق الخد باألرض :‬
‫ومن هذا القبيل ما رواه أبو سعيد اخلدري ريض اهلل عنه أن النبي صىل اهلل عليه وآله‬
‫وسلم قال:”إن الغضب مجرة يف قلب ابن ادم، أال ترون إيل محرة عينيه وانتفاخ أوداجه،‬
                                        ‫فمن وجد من ذلك شيئ ًا فليلزق خده باألرض”‬
‫13‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




                                 ‫(رواه الرتمذي و أبو داود وابن حبان وأمحد بإسناد ضعيف)‬
     ‫ومتكني أعز األعضاء (اخلد أو صفحة الوجه) من أذل املواضع ( األرض) جيعل النفس‬
     ‫تستشعر الذل وتزيل زهو "األنا” الذي كثري ًا ما يكون هو سبب الغضب وقد قال بعض‬
     ‫العلامء استنباط ًا أن يف هذا إشارة إيل األمر بالسجود ، وهذا يتفق مع اهلدي النبوي املبارك‬
     ‫حيث كان النبي صىل اهلل عليه و آله وسلم إذا حزبه أمر فزع إىل الصالة. وكان يقول:"...‬
     ‫وجعلت قرة عيني يف الصالة" ( رواه انس بن مالك ريض اهلل عنه وأورده أمحد ، والنسائي‬
                            ‫، وابن سعد ، وأبو يعىل ، واحلاكم ، والبيهقي) وصححه األلباين.‬
     ‫هذا ما علمنا إياه النبي صىل اهلل عليه وآله وسلم الذي قال فيه ربه: " َلقدْ جآءكم رسول‬
     ‫َ َ َُ ْ َ ُ ٌ‬
                         ‫رِّ ْ َ ُ ِ ُ ْ َ ِ َ َ ْ ِ َ َ ْ َ ِ ٌ َ َ ْ ُ ْ ْ ُ ْ ِ َ ُ ٌ َّ ِ ٌ‬
          ‫من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنِ ُّتم حريص عليكم بِاملؤمنِنيَ رءوف رحيم " (التوبة821)‬

     ‫فيام نرى الغرب يعاين من مشكلة الغضب و يكاد ال يرى هلا حلوال عملية يسهل تطبيقها‬
                                                                             ‫فمثال :‬

      ‫تقرير املوقع الإخباري بي بي �صي بتاريخ 52 مار�س 8002 جاء فيه:‬
     ‫أعلنت املتحدثة باسم الكلية امللكية للطب النفيس كارولني جراهام أن العالجات املتاحة‬
     ‫ملن يستشريون األطباء بشأن مشاكل الغضب قليلة للغاية وأن هؤالء األطباء يكرسون‬
                                          ‫جهودهم فقط لعالج مشاكل االكتئاب و القلق.‬
     ‫بينام رصح املتحدث عن املؤسسة االستشارية للعالقات أن طرق معاجلة الغضب املتاحة‬
                             ‫قد تسبب بعض األذى وأن هناك إساءة استخدام هلذه الطرق.‬
     ‫ويربز اجلانب اإلعجازي و السبق النبوي حني نستعرض سويا يف السطور القليلة التالية‬
     ‫ما أبرزته مايو كلينيك أحد أشهر مستشفيات أمريكا و العامل و بالتحديد "مؤسسة مايو‬
     ‫للتعليم الطبي و األبحاث"(1) عىل اإلنرتنت بتاريخ 62 يونيو 7002 و أضع لكم النص‬
     ‫االنجليزي وترمجته و بجواره بني قوسني النص النبوي ذي السبق يف جمال عالج الغضب‬
                                   ‫لنؤصله لإلسالم و نثبته للنبي عليه الصالة والسالم كالتايل:‬

                          ‫(1) ‪Mayo Foundation for Medical Education & Research MFMER‬‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬   ‫23‬




‫‪Anger management tips: Tame your temper‬‬
             ‫ن�صائح معاجلة الغ�صب: رو�س انفعالك (ل تغ�صب)‬

‫‪Take a "time out” ..counting to 10 before reacting‬‬
    ‫خذ فرتة صمت وعد إىل عرشة قبل رد فعلك ( إذا غضب أحدكم فليسكت)‬
                        ‫‪Do something physically‬‬
  ‫حترك بجسدك (املعنى: غري وضعك) (إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس ، فإن‬
                       ‫ذهب عنه الغضب وإال فليضطجع)‬
                                      ‫‪Swim‬‬
  ‫اسبح (املعنى : بارش املاء) (...وإنام تطفأ النار باملاء ، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ)‬
     ‫‪Find ways to calm yourself. Repeat calming word or‬‬
              ‫‪”!phrase to yourself such as "Take it easy‬‬
‫كرر كلمة هتدئك مثل خذها ببساطة (إين ألعلم كلمة لو قاهلا لذهب عنه ما جيد لو قال‬
                           ‫: أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم)‬
              ‫‪Think carefully before you say anything‬‬
   ‫فكر بعناية قبل قول أي شئ (...و إنام الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)‬
               ‫ومن ناحية أخرى جييب موقع االستشارات الكاملة(1)عن سؤال حمري:‬
                  ‫هل ت�صلح الأدوية للم�صاعدة يف علج الغ�صب؟‬


                                                  ‫(1) ‪www. all about counseling .com‬‬
‫33‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




                         ‫?‪Can medication help treat anger‬‬
            ‫فيقول بوضوح: (بعض مضادات االكتئاب تقلل األعراض االنفجارية و القلق‬
                     ‫ولكن األدوية بصفة عامة ال تستخدم بصورة مبارشة لعالج الغضب).‬
     ‫وهو ما يربهن مرة أخري عىل سبق النبي صىل اهلل عليه وسلم للطب الغريب وإعجاز‬
     ‫سنته املطهرة يف إجياد عالجات للغضب يف حني تشمل احلرية املتخصصني يف الطب حول‬
                                 ‫عالج الغضب حتى بعد تقدم علوم الطب و ازدهارها.‬


           ‫ثمرة تعاليم النبي صلى اهلل عليه وسلم في صحابته والتابعين:‬
     ‫والصحابة – رضوان اهلل عليهم – قد فهموا هذه الدروس النبوية وتعلموا يف املدرسة‬
     ‫املحمدية وطبقوا ما تعلموه عىل حياهتم وعلموا من بعدهم من املسلمني وحتى عرصنا هذا‬
     ‫دروس ًا عملية فهنا درس عميل لنا مجيع ًا من ابن عباس وعمر بن اخلطاب رضوان اهلل عليهام‬
     ‫يف أنه من شاهد غاضب ًا فعليه أن ينصحه ؛ ويذكره فضل احللم وكظم الغيظ وعىل املنصوح‬
     ‫قبول ذلك من أخيه والعودة لصوابه فور ًا فقد قال ابن عباس ريض اهلل عنهام : استأذن احلر‬
     ‫بن قيس لعيينة فأذن له عمر فلام دخل عليه قال : هي يا ابن اخلطاب فواهلل ما تعطينا اجلزل‬
     ‫(أي العطاء الكثري) وال حتكم بيننا بالعدل فغضب عمر حتى هم به ؛ فقال له احلر : يا أمري‬
     ‫املؤمنني إن اهلل قال لنبيه :(خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن اجلاهلني) وإن هذا من‬
                      ‫اجلاهلني ؛ واهلل ما جاوزها عمر حني تالها عليه وكان وقاف ًا عند كتاب اهلل.‬
     ‫ودر�س اآخر يف احللم من اأبي ذر الغفاري – ريض اهلل عنه – حني قال لغالمه : " مل‬
     ‫أرسلت الشاة عىل علف الفرس ؟ " قال أردت أن أغيظك . قال : " ألمجعن مع الغيظ أجرا‬
                                                                ‫أنت حر لوجه اهلل تعاىل"‬
     ‫واستمرت املدرسة املحمدية يف التابعني ويف علامء املسلمني حتي يومنا هذا فقد قيل لعبد‬
                                ‫اهلل بن املبارك : أمجل لنا حسن اخللق ؛ فقال : ترك الغضب"!‬
     ‫ومما ُيذكر هنا أن جارية لعيل بن احلسني جعلت تسكب عليه املاء فتهيأ للصالة فسقط‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬       ‫43‬




‫اإلبريق من يد اجلارية عىل وجهه فشجه فرفع عىل بن احلسني رأسه إليها ، فقالت اجلارية : إن‬
   ‫َ َ ِ‬                                         ‫َ َ‬      ‫َ َ ِ ِ‬
‫اهلل -عز وجل - يقول :(وا ْلكاظمنيَ ا ْلغ ْيظ) فقال هلا : قد كظمت غيظي . قالت (وا ْلعافنيَ‬
                             ‫َ َّ ُ ِ ُّ ْ ُ ْ ِ‬
‫عن ال َّناس) فقال هلا : قد عفا اهلل عنك . قالت : (واهلل ُحيب املحسنِنيَ) قال : اذهبي فأنت حرة‬
                                                                                  ‫ِ‬        ‫َ ِ‬
‫وقال املعتمر بن �صليمان : كان رجل ممن كان قبلكم يغضب ويشتد غضبه فكتب ثالث‬
‫صحائف فأعطي كل صحيفة رجال وقال لألول : إذا أشتد غضبي فقم إيل هبذه الصحيفة‬
‫وناولنيها ؛ وقال للثاين : إذا سكت بعض غضبي فناولنيها ؛ وقال للثالث : إذا ذهب غضبي‬
‫فناولنيها وكان يف الصحيفة األويل :” أقرص فام أنت وهذا الغضب ؟ إنك لست بإله إنام أنت‬
‫برش يوشك أن يأكل بعضك بعض ًا ويف الثانية :” ارحم من يف األرض يرمحك من يف السامء‬
                ‫" ويف الثالثة :” امحل عباد اهلل عىل كتاب اهلل فإنه ال يصلحهم إال ذاك”...!‬
‫كام روى اإلمام الغزايل عن احلسن ريض اهلل عنه قوله :” يا بن آدم كلام غضبت وثبت؛‬
          ‫ً‬
‫وأوشكت أن تثب وثبة فتقع يف النار” وجيمل اإلمام الغزايل رأيه يف الغضب قائال” .. فأقل‬
‫الناس غضب ًا أعقلهم ؛ فإنه إن كان للدنيا كان دهاء ومكر ًا وإن كان لآلخرة كان حلام وعلام.‬
       ‫ً‬


                                                                          ‫متى الغضب ؟‬
‫وليس معنى هذا عدم الغضب متاما بل عدم التامدي فيه وينبغي أن يغضب االنسان اذا‬
                                                            ‫انتهكت حرمات اهلل.‬


                                                                            ‫أنواع الغضب‬
                                                                ‫الأول : الغ�صب املحمود‬
‫وهو ما كان هلل –تعاىل- عندما تنتهك حمارمه ، وهذا النوع ثمرة من ثمرات اإليامن وهكذا‬
‫كان غضب النبي -صىل اهلل عليه وآله وسلم- فال ُيعرف إال أن تنتهك حمارم اهلل –تعاىل-‬
‫فعن عائشة - ريض اهلل عنها - قالت : ما رضب رسول اهلل -صىل اهلل عليه وآله وسلم‬
‫- شيئا قط بيده ، وال امرأة ، وال خادما إال أن جياهد يف سبيل اهلل ، وما نيل منه شء قط‬
‫53‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




      ‫فينتقم من صاحبه إال أن ينتهك شء من حمارم اهلل فينتقم هلل -عز وجل (رواه مسلم 8232)‬

     ‫ومن ذلك ما رواه عبد اهلل بن عمرو -ريض اهلل عنهام- قال : خرج رسول اهلل -صىل اهلل‬
     ‫عليه وآله وسلم - عىل أصحابه وهم خيتصمون يف القدر فكأنام يفقأ يف وجهه حب الرمان‬
     ‫من الغضب فقال : ( أهبذا أمرتم ؟ أو هلذا خلقتم ؟ ترضبون القرآن بعضه ببعض هبذا‬
     ‫هلكت األمم قبلكم ) فقال عبد اهلل بن عمرو : ما غبطت نفيس بمجلس ختلفت فيه عن‬
     ‫رسول اهلل -صىل اهلل عليه وآله وسلم- ما غبطت نفيس بذلك املجلس وختلفي عنه .)رواه‬
     ‫أمحد 2/871 وابن ماجه (58) واللفظ له قال البوصريي –رمحه اهلل تعاىل - "هذا إسناد‬
                                                                   ‫صحيح رجاله ثقات”‬
     ‫ومن التأيس بالنبي صىل اهلل عليه وسلم أن نجعل غضبنا هلل ، وإذا انتهكت حمارم اهلل،‬
     ‫وهذا هو الغضب املحمود فقد غضب صىل اهلل عليه وسلم ملا أخربوه عن اإلمام الذي‬
     ‫ُينفر الناس من الصالة بطول قراءته ، وغضب ملا رأى يف بيت عائشة سرت ًا فيه صور‬
     ‫ذوات أرواح ، وغضب ملا كلمه أسامة يف شأن املخزومية التي رسقت ، وقال : أتشفع‬
     ‫يف حد من حدود اهلل ؟ وغضب ملا سئل عن أشياء كرهها ، فكان غضبه صىل اهلل عليه‬
                                                    ‫ُ‬
                                                                       ‫وسلم هلل ويف اهلل.‬
                                                                               ‫الثاين : الغ�صب املذموم‬
                      ‫َ َ َّ ُ َ َ‬
                   ‫وهو ما كان يف سبيل الباطل والشيطان كاحلمية اجلاهلية ، قال اهلل َتعاىل :‬
     ‫" إذ جعل ا َّلذين كفروا يف ق ُلوهبِم احلم َّية مح َّية اجلاهل َّية ف َأ ْنزَ ل اهلل سكي َنتَه عىل رسولِه وعىل‬
      ‫ْ َ َ َ ِ َ ََُ ِ ُ ِ ْ َْ ِ َ َِ َ َْ ِِ َِ َ ُ َ ِ ُ ََ َ ُ ِ َ ََ‬
                                  ‫املؤمنِنيَ و َأ ْلزَ مهم كلمة ال َّتقوى وكا ُنوا َأحقَّ هبا و َأهلها "(الفتح)‬
                                                      ‫َ َِ َ ْ َ َ‬              ‫ُْ ْ ِ َ َ ُ ْ َ ِ َ َ ْ َ َ َ‬
                             ‫و هنا ذم اهلل عز و جل الكفار باحلمية الصادرة عن الغضب بالباطل‬
                                                                                 ‫الثالث : الغ�صب املباح‬
     ‫وهو الغضب يف غري معصية اهلل تعاىل ومل يتجاوز حدَّ ه ويتجىل ذلك بحفظ اللسان‬
        ‫َ َ ِ ِ‬                                         ‫ً‬
     ‫واجلوارح كأن جيهل عليه أحد، علام بأن كظمه هنا خري وأبقى قال تعاىل:”وا ْلكاظمنيَ‬
                         ‫ا ْلغ ْيظ وا ْلعافنيَ عن ال َّناس واهلل ُ ُحيب املحسنِنيَ " (آل عمران : 431)‬
                                                 ‫ِ ُّ ْ ُ ْ ِ‬     ‫ِ َ‬        ‫َ َ َ َ ِ َ ِ‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬   ‫63‬




                              ‫اأوجه الإعجاز‬
‫١. ال شك أن نبي الرمحة صىل اهلل عليه وآله وسلم قد عرف بنور الوحي خطورة‬
‫االنفعاالت النفسية عىل مستقبل املجتمع قبل أن يكتشف الطب آثارها ودعا –‬
‫بحكمة – املسلمني إيل ضبط انفعاالهتم قدر املستطاع فكثرت أحاديثه التي وردت‬
‫هبا تلكم النصيحة الذهبية الغالية "ال تغضب” والتي ثبتت جدواها طبيا ونفسيا،‬
‫وقدم أساليب خمتلفة يف الرتغيب يف حفظ النفس من الغضب ثم الرتهيب من‬
                                                         ‫ً‬
‫الوقوع فيه حماوال األخذ بأيدي أتباعه إيل جادة الصواب رمحة هبم وحفاظ ًا عىل‬
                                           ‫صحة أبداهنم من املرض والتلف .‬
‫٢. لكنه – صىل اهلل عليه وآله وسلم – كان يعلم يف الوقت ذاته طبيعة النفس البرشية‬
‫ويعلم أن اإلنسان حلظة غضبه قد ال يقوى عىل كظم غضبه خاصة إن كان يغضب‬
‫هلل أو لعرضه أو ملاله فإذا به يصف العالج املحمدي املعجز قبل أن يستفحل الغضب‬
‫وحيدث ماال حتمد عقباه يف خطة نبوية وروشته حممدية لعالج الغضب و هبا سبق‬
‫طبي معجز بعد أن أثبت الطب بعد أربعة عرش قرن ًا أن كل ما قاله النبي صىل اهلل‬
‫عليه وآله وسلم يف عالج الغضب له تأثري إجيايب عىل جسد اإلنسان الغاضب بل‬
‫يكاد ينقذه من خماطر ال يعلم مداها إال اهلل . وصدق رسول اهلل صىل اهلل عليه وآله‬
                                                  ‫وسلم .. واحلمد هلل رب العاملني‬
‫73‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




                                           ‫مراجع البحث‬
        ‫	 •د.حممد نزار الدقر اهلدي النبوي يف كراهة الغضب.موقع موسوعة اإلعجاز العلمي يف القرآن‬
                                                                                   ‫والسنة.‬
                                  ‫	 • الشيخ حممد صالح املنجد فتوى 856موقع اإلسالم سؤال و جواب.‬
                                                    ‫	 • اإلمام أبو حامد الغزايل : " إحياء علوم الدين " .‬
                                  ‫	 •اإلمام ابن حجر العسقالين : " فتح الباري رشح صحيح البخاري " .‬
                                                 ‫	 •د. حسان شميس باشا : " قبسات من الطب النبوي "‬
                     ‫	 •د. حممود الربشة : " الغضب وأثره اليسء عىل البدن " صدى اإليامن ع 2 م 1 6991‬
        ‫	 •د. إبراهيم الراوي : " موقف اإلسالم من اإلصابة الرسطانية " حضارة اإلسالم م 1ع 8 ـ‬
                                                                                 ‫6691‬
                                               ‫	 •د. عبد الرزاق الكيالين : " احلقائق الطبية يف اإلسالم "‬
                             ‫	 •د. حامد الغوايب : " احللم والغضب " ، لواء اإلسالم م 01 ع 11 ـ 7591‬
                       ‫	 •د. إبراهيم الراوي : " اإلنفعاالت النفسية " حضارة اإلسالم م 51 ـ ع 7 ـ 4791‬
                                                 ‫	 •اإلمام املناوي : " فيض القدير رشح اجلامع الصغري”‬
                        ‫	 •حممد نبيل كاظم.كيف تتحرر من نار الغضب؟ دار السالم الطبعة األوىل 8002‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬




     ‫مـن الإعجـاز البياني في القـراآن‬
                 ‫الكـريـم‬
                         ‫د. حممد حممد داود‬
                 ‫اأ�صتاذ. م. علم اللغة بجامعة قناة ال�صوي�س‬
         ‫عميد معهد معلمي القراآن الكرمي باملركز الإ�صلمي بالعمرانية‬
                        ‫اخلبري مبجمع اللغة العربية‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬    ‫04‬




                                       ‫مقدمة‬
                                                                                  ‫َ َ‬
‫مل حيْظ كتاب يف الدنيا بالدراسات فيه وحوله مثلام حظي القرآن الكريم، َب ْيدَ أنه عىل الرغم‬
                                                                             ‫ٌ‬
‫من استبحار الدراسات القرآنية ووفرهتا، إال أن القرآن الكريم ال يزال يستنهض الباحثني‬
‫ملزيد من البحث يف آفاقه املمتدة التي ال تقف عند هناية:ﮋ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ‬
                            ‫ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂﮊ (الكهف: 901).‬
                                                                          ‫ّ‬
‫وكل باحث ـ حسبام يتيرس له من أدوات بحثه ـ يكشف اهلل له جان ًبا من أرسار كتابه‬
           ‫العزيز الذي ال تنفد أرساره: ﮋﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﮊ (اإلرساء:02).‬

‫ولـمـا كان القرآن من اهلل احلكيم ـ وفعل احلكيم ك ُّله حكمة ـ وكل شء عنده بقدر‬
                               ‫ِ‬        ‫ُ‬                                  ‫َّ‬
                                 ‫ومقدار؛ لذا وصف اهلل القرآن باإلحكام، قال تعاىل:‬
                  ‫ﮋ ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮊ (هود: 1).‬

‫ومن َثم فقد نشطت اجلهود لتتبع الظواهر اللغوية يف القرآن الكريم، للكشف عن أرسار‬
                                                                        ‫َّ‬
‫هذا اإلحكام املعجز. ومن بني هذه اجلهود هذا البحث ـ من اإلعجاز الصويت يف القرآن‬
‫الكريم ـ الذي وقفت فيه عىل الظواهر الصوتية التي تفرد هبا القرآن الكريم والتي تلفت‬
                              ‫َّ‬
                                          ‫االنتباه، ويظهر فيها وجه من وجوه اإلعجاز.‬
                                                                         ‫ُ‬
                                                   ‫وقد �صنفتها يف �صبع م�صائل، هي:‬
                      ‫الأولـى: أثر صوتيات القرآن يف حفظ اللغة العربية واستقرارها.‬
                                             ‫الـثـانيـة: اإليقاع والنغم القرآين اخلالد.‬
                           ‫الـثـالثـة: الفاصلة القرآنية قيمة صوتية ذات وظيفة داللية.‬
‫14‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




                                    ‫الـرابعـة: التناسب بني صفات الصوت ومعنى الكلمة.‬
                                      ‫اخلام�صـة: التناسب بني إحياء الصوت ومعنى الكلمة.‬
                                      ‫ال�صاد�صـة: التناسب والتناسق بني نوع احلركة واملعنى.‬
                                    ‫ال�صـابعـة: عولـمة الصوت وعاملية النغم القرآين اخلالد.‬
     ‫واهلل أسأل أن يوفقني فيه وأن ينفع به،ﮋ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁﮊ‬
                       ‫(هود: 88). ﮋ ﭘ ﭙ ﭚﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﮊ (البقرة: 721)،‬

                                                                   ‫واحلمد هلل رب العاملني.‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬   ‫24‬




         ‫امل�ساألة الأولى: اأثر �سوتيات القراآن يف حفظ‬
                 ‫اللغة العربية وا�ستقرارها‬
‫التلقي الشفهي هو األساس يف تع ُّلم القرآن الكريم، منذ نزل جربيل عليه السالم بالقرآن‬
                                                                      ‫ُّ‬
           ‫عىل سيدنا حممد صىل اهلل عليه وسلم، وحتى وقتنا احلارض، وإىل أن تقوم الساعة.‬
‫وهلذه اخلاصية ـ املشافهة ـ آثار تصل إىل حدرِّ اإلعجاز، لكن إ ْلف العادة هو الذي يمنعنا‬
                      ‫َّ َ‬
                                 ‫ُ ِ‬
‫أو حيجب عنا مالحظة نواحي اإلعجاز. ولكن إذا ما قورنت العربية بغريها من اللغات وما‬
         ‫حدث هلا، يظهر أثر القرآن يف االستقرار الصويت للغة العربية وحفظها من االندثار.‬


‫حفظ اللغة العربية حية على ألسنة المسلمين في بقاع األرض كلها:‬
                                   ‫اأ.اندثار اللغات القدمية كلها، ما عدا العربية:‬
‫إن املتأمل يف التاريخ يرى ـ بوضوح ـ لغات كثرية قد اندثرت بموت أهلها، أو ضعفت‬     ‫رِّ‬
                                       ‫ً‬
‫بضعفهم؛ فأين اللغة الفينيقية ـ لغة أهل لبنان قديام ـ؟! وأين اللغة اهلريوغليفية ـ لغة أهل‬
                                         ‫مرص ـ؟! واآلشورية ـ لغة أهل بابل ـ ؟!... إلخ.‬
‫إن ارتباط اللغة العربية بالقرآن الكريم جعلها حمفوظة بحفظه، وباقية ببقائه، وسبحان‬
                        ‫اهلل القائل: ﮋﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮊ (احلجر: 9).‬

                   ‫وبتأمل النظم القرآين يف هذه اآلية الكريمة نرى من وجوه اإلعجاز:‬
                                                                            ‫ُّ‬
                      ‫رِّ ْ‬
   ‫	 •عدول اخلطاب القرآين عن لفظ (القرآن)، واستعامل لفظ (الذكر)، واملراد به هنا:‬
   ‫القرآن؛ إلفادة معنى احلضور اللساين والذهني، يف تناسب وتناغم مع معنى البقاء‬
                                                                 ‫املعرب عنه باحلفظ.‬
                                                                              ‫َّ‬
‫استعامل أكثر من أداة من أدوات التوكيد: ( اسمية اجلملة، إن، نحن، تضعيف الفعل‬
                      ‫ّ‬
         ‫(نزلنا)، تكرار إن، الالم، تقديم اجلار واملجرور "له" عىل املتعلق "حلافظون").‬
                                                                                 ‫َّ‬
‫34‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




                  ‫استعامل صيغة اسم الفاعل يف (حلافظون) بداللتها عىل احلارض واملستقبل.‬
     ‫وكل هذه األدوات تتآزر معا إلفادة معنى البقاء والدوام واحلضور وقوة التأثري هلذا‬
                                                           ‫ً‬
     ‫الكتاب العظيم، والواقع يشهد هبذا، فالقرآن الكريم هو النص الوحيد الذي مل يتغري‬
                                                                  ‫ٌ‬
     ‫ومل يتبدَّ ل منه حرف عىل تطاول العصور، وعىل امتداد رقعة البالد اإلسالمية يف كافة‬
                                                                          ‫أرجاء املعمورة.‬
                                ‫َ ً‬
     ‫ومن وسائل حفظ القرآن العظيم: حفظ لغته وبقاؤها ح َّية عىل ألسنة املسلمني أكثر من‬
      ‫أربعة عرش قر ًنا من الزمان، من مهد اإلسالم يف جزيرة العرب إىل أقىص أطراف األرض.‬
     ‫كيف استطاعت هذه اللغة العبقرية أن تصمد أكثر من أربعة عرش قر ًنا من الزمان،‬
                          ‫ً‬
     ‫بينام اندثرت اللغات القديمة مجيعا، بل اندثرت لغات كانت حية عىل األلسنة منذ أقل‬
                                                      ‫ً‬
                                                                          ‫من أربعة قرون؟‬
     ‫من أمثلة تلك اللغات: الالتينية التي انقسمت إىل هلجات حتولت فيام بعد إىل لغات خمتلفة‬
                                ‫َّ‬
                                                           ‫ُ رِّ‬
     ‫يف ألفاظها وتراكيبها وبنيتها الكلية. لقد كانت الالتينية هي لغة الثقافة والعلم حتى وقت‬
     ‫قريب، وكانت املؤلفات العلمية الكربى ُتكتب هبا إىل عهد نيوتن (عاش يف القرن الثامن‬
     ‫عرش)، ومؤ َّلفه الذي قلب موازين علم الفيزياء عنوانه: "‪"Princibia Mathmatica‬‬
                                                                          ‫ُ‬
                                                          ‫بالالتينية، أي: مبادئ الرياضيات.‬

                ‫َّ‬                        ‫ً‬               ‫ٍ‬
     ‫ومع ذلك كانت الالتينية حينئذ قد اندثرت متاما، وصارت لغة أبراج عاجية، يكتب هبا‬
                                             ‫َّ‬
                        ‫الفالسفة والعلامء، ولكنها غائبة عن احلياة؛ ألن األلسنة ال تنطق هبا.‬
     ‫ومثلها اللغات الدينية التي اندثرت ـ بموهتا عىل األلسنة ـ وانحرص وجودها بني‬
     ‫جدران املعابد واألماكن املقدسة، كالرسيانية (اآلرامية)، والعربية القديمة، ولغات‬
     ‫السيخ واهلندوس والشنتو وغريها من لغات املعابد التي ال يعرفها سوى أفراد قليلني‬
                                                                          ‫من كهنة املعابد.‬
                                                 ‫ً‬
     ‫عىل حني ظلت العربية صامدة متجددة عرب العصور، واتسع نطاق املتحدثني هبا، الذين‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬                 ‫44‬




‫هم عرب باللسان، وصدق النبي صىل اهلل عليه وسلم حني قال: "ليست العربية ألحدكم‬‫ٌ‬
                        ‫بأب وال ُأم، ولكنها اللسان، فمن تكلم العربية فهو عريب(1)”.‬
                                               ‫َّ‬                      ‫ٍّ‬      ‫ٍ‬

                                                                    ‫ٌ ُ َ َ‬
‫وهذا أمر مشاهدٌ حمسوس، فإنك لتجد اهلندي أو الباكستاين أو اإليراين أو األمريكي‬
‫املسلم ال يعرف شيئًا عن قواعد العربية، فإذا ما تال آيات الذكر احلكيم انطلق لسا ُنه،‬
‫وختلص من عجمته و ُلكنته، وصارت أصواته واضحة كل الوضوح مطبوعة بالطابع‬
                                                             ‫ْ‬                ‫َ َّ‬
                                                   ‫العريب اخلالص يف صفات األصوات وخمارجها.‬
                         ‫اأفلي�س هذا وجها من وجوه الإعجاز ال�صوتي للقراآن الكرمي؟!‬
                                                                   ‫ً‬
                                                               ‫ب. الألفاظ القراآنية اخلا�صة:‬
‫ً‬          ‫َّ‬    ‫ُ ِ‬                                                      ‫رِّ‬
‫من يدقق النظر يف العربية املعارصة جيد الكثري من األلفاظ التي هجرت وظل بقاؤها حية‬
                                                                               ‫َ‬
                       ‫عىل األلسنة مقصورا عىل االستخدام الديني املرتبط بالقرآن.‬
                                                                 ‫ً‬
‫ويف دراسة قمت هبا عن األلفاظ الدالة عىل الكالم واالستخدام الديني يف العربية‬
‫املعارصة(2)، كان من الظواهر الالفتة لالنتباه وجود جمموعة من األلفاظ ذات الداللة‬
‫الكالمية كادت تغيب عن االستعامل املعارص إال يف املجال الديني اإلسالمي، عند رشح‬
                                   ‫ُ‬
‫آيات القرآن التي وردت هبا هذه األلفاظ، واستعامل هذه األلفاظ خارج جمال القرآن نادر‬
                                     ‫ِ ُ‬                                     ‫ً‬
‫ندرة تصل إىل درجة العدم يف األعم األغلب، وضيق جمال االستعامل واقتصاره عىل املجال‬
            ‫ُ‬                                    ‫رِّ‬
                                              ‫الديني اإلسالمي هو املالحظة األوىل.‬
‫اأما امللحظة الثانية فهي ثمرة للمالحظة األوىل، فقد ترتب عىل االستعامل اللصيق‬
                    ‫ً‬
‫بالقرآن هلذه األلفاظ استقرار دالالهتا حتى أصبحت تبدو مشاهبة يف استقرار دالالهتا‬
                   ‫لأللفاظ اإلسالمية االصطالحية: ( الصالة، الزكاة، احلج،.... إلخ ).‬
‫وفيام ييل أمثلة خمتارة من هذه األلفاظ مرتبة ترتي ًبا هجائيا، مع ذكر معناها الذي استعملت‬
                             ‫ًّ‬
                                                                    ‫به يف القرآن الكريم:‬

                     ‫(1) أخرجه اخلطيب البغدادي يف الرواة عن مالك، وابن عساكر يف تاريخ دمشق، 12/704.‬
‫(2) الداللة والكالم: دراسة تأصيلية أللفاظ الكالم يف العربية املعارصة يف إطار املناهج احلديثة / حممد حممد داود .‬
                                                                                  ‫القاهرة : دار غريب ، 2002 م .‬
‫54‬    ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




                   ‫ال�صواهد القراآنية‬           ‫املعنى‬          ‫ال�صيغةالواردة‬   ‫املادة‬   ‫م‬

     ‫(النبأ)‬   ‫ﮋ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﯫﮊ‬               ‫شديد االنصباب‬           ‫ثجاجا‬
                                                                     ‫ً‬           ‫ثجج‬      ‫1‬


       ‫ﮋﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉ‬
               ‫(حممد: 4)‬   ‫ﮊﮋﮌﮊ‬                                   ‫أثخنتموهم‬
                                                                                 ‫ثخن‬      ‫2‬
        ‫ﮋﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢ‬                           ‫املبالغة يف القتل‬
                                                                    ‫يثخن‬
               ‫(األنفال: 76)‬   ‫ﯣ ﯤ ﯥﮊ‬


      ‫ﮋ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓﯔ ﯕ ﯖ‬                       ‫اللوم والتعيري‬
       ‫ﯗﯘ ﯙ ﯚ ﯛﯘﮊ‬
                                                                    ‫تثريب‬        ‫ثرب‬      ‫3‬
                                               ‫والتوبيخ‬


     ‫ﮋ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿﰀ ﰁ ﰂ ﰃ‬
               ‫(النحل: 35)‬     ‫ﰄﰅﰆﮊ‬                                ‫جتأرون‬
         ‫ﮋﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈ‬                            ‫رفع الصوت‬                           ‫جأر‬      ‫4‬
                                                                   ‫جيأرون‬
                 ‫ﮉﮈﮊ (املؤمنون)‬             ‫بالدعاء والترضع‬
      ‫ﮋ ﮋ ﮌ ﮍﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒﮕ ﮊ‬                                           ‫جتأروا‬


                     ‫كل ما عبِد من دون‬
          ‫ﮋﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ‬       ‫ُ‬
     ‫اهلل، واستعمل يف ﯼ ﯽ ﯾ ﯿﮊ‬                                        ‫ِ‬
                                                                    ‫اجلبت‬        ‫جبت‬      ‫5‬
                      ‫الصنم والكاهن‬
        ‫(النساء: 15)‬
                        ‫والساحر.‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬       ‫64‬




                ‫ال�صواهد القراآنية‬              ‫املعنى‬        ‫ال�صيغةالواردة‬       ‫املادة‬        ‫م‬

      ‫ﮋﮡﮢﮣﮤﮥﮦ‬
                                                       ‫َ‬
                                                 ‫غدَّ ار‬                  ‫َ‬
                                                                    ‫خ َّتار‬       ‫ختر‬            ‫6‬
                  ‫(لقامن)‬   ‫ﮧﮍﮊ‬


    ‫ﮋﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅ‬
                                                                 ‫خترصون‬
                            ‫ﮆﮀﮊ‬           ‫إلقاء القول عن ظن‬
                ‫(األنعام)‬
                                                                                 ‫خرص‬             ‫7‬
                                               ‫وختمني‬
          ‫(الذاريات)‬   ‫ﮋ ﭟ ﭠﮐ ﮊ‬                                  ‫اخلراصون‬


‫ﮋﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊ‬
                ‫ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﰀﮊ‬
                                             ‫مقطوع شوكه‬           ‫خمضود‬          ‫خضد‬             ‫8‬
    ‫(الواقعة)‬




‫ﮋ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﮎ‬
                                           ‫جماعة؛ ألن البطن‬
‫ﮏ ﮐ ﮑ ﮒﭥ ﮊ (املائدة)، واللفظ‬                ‫يضمر من شدة‬           ‫خممصة‬          ‫خمص‬             ‫9‬
                 ‫يف (التوبة:021)‬                ‫اجلوع‬



‫كل شجرة هلا شوك ﮋ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ‬
                                           ‫وثمرهتا مرة بشعة‬          ‫َْ‬
                                                                    ‫مخط‬           ‫خمط‬        ‫01‬
  ‫(سبأ)‬   ‫ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﯿﮊ‬
                                                ‫الطعم‬


                                            ‫الشيطان الذي‬
          ‫ﮋ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﭲﮊ‬
‫(الناس)‬
                                          ‫خينس ويتوارى عند‬        ‫اخلناس‬
 ‫ﮋﮊﮋﮌﮍﮎﮏﯿﮊ‬                                     ‫ذكر اهلل.‬                         ‫11 خ ن س‬
                            ‫(التكوير)‬     ‫الكواكب السيارة؛‬              ‫ُ‬
                                                                   ‫اخل َّنس‬
                                          ‫ألهنا ختتفي وتغيب‬
‫74‬        ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




                      ‫ال�صواهد القراآنية‬             ‫املعنى‬         ‫ال�صيغةالواردة‬    ‫املادة‬   ‫م‬
          ‫ﮋ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩﭪ‬
         ‫ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯﮊ‬
                                                                         ‫َيدُ ع‬
                                                                         ‫ُّ‬
                                                ‫الدفع بعنف وغلظة‬                      ‫دعع‬      ‫21‬
                   ‫ﮋﯮﯯﯰﯱﯲﯳﮊ‬
                                                                        ‫ُيدَ عون‬
                                                                          ‫ُّ‬
     ‫(الطور: 31)‬


       ‫ﮋ ﭑ ﭒ ﭓﭔ ﭕ ﭖ ﭗ‬
         ‫ﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟ‬                                ‫الفحش يف القول‬          ‫رفث‬         ‫31 ر ف ث‬
                       ‫ﭠﮊ (البقرة:791)‬


      ‫ﮋﯡﯢﯣﯤﯥﯦ‬
        ‫(املائدة:2)‬   ‫ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫﮊ‬                     ‫ُبغْ ض‬             ‫شنآن‬         ‫شنأ‬       ‫41‬
       ‫(الكوثر)‬    ‫ﮋ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑﭥﮊ‬

                                                  ‫صوت أنفاس‬
             ‫ﮋ ﮕ ﮖ ﭒﮊ (العاديات)‬                 ‫اخليل يف جوفها‬          ‫َ ً‬
                                                                        ‫ض ْبحا‬       ‫51 ض ب ح‬
                                                   ‫حني تعدو‬

        ‫ﮋ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢﮊ‬
                                                     ‫ُ َ‬
                                                ‫ما مجع وقبِض عليه‬
                                                             ‫ُ‬
                                ‫(ص:44)‬
                                                                       ‫ضغ ًثا‬
                                                    ‫بالكف.‬                           ‫61 ض غ ث‬
      ‫ﮋ ﭑ ﭒ ﭓﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ‬                                                 ‫أضغاث‬
                                                  ‫أخالط ملتبسة‬
                       ‫(يوسف)‬   ‫ﭙﮯ ﮊ‬


     ‫(النازعات)‬   ‫ﮋ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﰀﮊ‬                      ‫أظلم‬               ‫أغطش‬          ‫71 غ ط ش‬

     ‫ﮋﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘ‬
                                                   ‫َ َّ َ ْ ْ‬
                                                   ‫ه ُلم وأقبِل‬        ‫ه ْيت لك‬
                                                                          ‫َ َ‬        ‫81 هـ ي ت‬
                   ‫(يوسف: 32)‬   ‫ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝﮊ‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬                ‫84‬




        ‫ّ‬                                                                         ‫ٌ‬
‫هذا قليل من كثري مما حفظه القرآن للعربية، ويف هذا أبلغ الداللة وأقواها عىل أن كلامت‬
‫القرآن الكريم هي التي كتِب هلا احلياة واخللود عىل مر الزمن، يف حني أن الثروة اللفظية للعربية‬
                                        ‫َ رِّ‬                     ‫ُ َ‬
           ‫التي مل ُتستعمل يف القرآن الكريم قد ُأودعت يف قرافة املعجامت يف األعم األغلب.‬
                     ‫ّ‬                              ‫ِ‬                           ‫َ‬
           ‫ْ َ َّ‬
‫وال عجب من هذه املالحظة التي تأكدت من خالل بحث ق رِّيم لعاملني فذ ْين أحدمها‬
‫لغوي وهو أستاذنا الدكتور عبد الصبور شاهني، واآلخر متخصص يف علم اإلحصاء‬
‫وهو الدكتورعيل حلمي موسى حتت عنوان " دراسة إحصائية جلذور معجم تاج العروس‬
                                   ‫باستخدام الكمبيوتر(1) "، وكان من نتائج هذه الدراسة:‬
‫أن القرآن اصطفى 51% من جذور العربية هي أفضل وأيرس ما فيها، وأن جذور القرآن‬
‫هي املادة املستعملة يف اللغة العربية من أول اإلسالم حتى اآلن، وأما الـ 58% من لغة‬
           ‫اجلاهلية فقد أصبحت يف املعاجم لكنها ال جتري عىل ألسنة الناس يف حياهتم.‬
‫أن جذور القرآن الكريم هي التي جيري هبا فكر هذه األمة منذ نطقت بعد رسول اهلل حممد‬
‫صىل اهلل عليه وسلم وبعد نزول القرآن إىل أيامنا هذه، وبحرص مفردات أي جريدة، أو بحث‬
‫أو مقال، أو أي مادة مكتوبة؛ فإهنا ال خترج عن مادة القرآن إال بمقدار 2% فقط، وهذا يعني أن‬
                    ‫املادة الشائعة املهيمنة يف الكتابات واألحاديث العربية هي مادة القرآن.‬
‫وتلتقي هذه املالحظة مع مالحظة ابن فارس يف كتابه "الصاحبي" التي تقول: " إن القرآن‬
‫فرض عىل الناس بيا ًنا خاصا، فهم يقولون يف اليشء إذا وصفوه بالطول يقولون: طويل،‬
                                                           ‫ًّ‬
                         ‫وال يقولون: َأشق وال َأمق، ومها ال يردان يف استعامل الناس ".‬
                           ‫(2)‬
                                                              ‫َ ُّ‬   ‫َ ُّ‬
‫إذن فقد هيمن القرآن عىل هذه اللغة وكان سب ًبا يف استقرار مادهتا؛ ألن مادة القرآن نحفظها‬
‫جيال بعد جيل، و ُنرددها بطريقة واحدة، وهذا هو الرس يف استمرار العربية ما يقرب من مخسة‬
                                                                       ‫رِّ‬
                 ‫عرش قر ًنا حتى اآلن وإىل أن يرث اهلل األرض ومن عليها إن شاء اهلل تعاىل.‬
‫فأي كتاب أو أثر أديب أو غري ذلك كان له مثل هذا التأثري البالغ واهليمنة الدائمة عىل فكر‬

‫(1) دراسة إحصائية جلذور تاج العروس باستخدام الكمبيوتر / عىل حلمي موسى ، عبد الصبور شاهني . الكويت :‬
                                                                  ‫مطبوعات جامعة الكويت ، 3791 م .‬
‫(2) الصاحبي يف فقه اللغة العربية وسنن العرب يف كالمها / ابن فارس ؛ حتقيق مصطفى الرشبيني . ــــ القاهرة: اهليئة‬
                                                                              ‫العامة لقصور الثقافة ، 3002 م .‬
‫94‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




                     ‫أمة نرشت حضارهتا يف ربوع األرض من أدناها إىل أقصاها وعىل لساهنا؟!‬
     ‫إن الكتب املقدسة األخرى ـ عىل الرغم من أثرها الكبري يف نفوس أتباعها ـ مل يكن هلا‬
     ‫شء من هذا التأثري البالغ؛ ألهنا تقوقعت يف املعابد، وانحرص استعامهلا يف أداء الشعائر‬
                                                                                       ‫ٌ‬
     ‫الدينية وحسب، أما العربية ـ التي صاغها القرآن صياغة فريدة ـ فقد حتررت وانطلقت هبا‬
                    ‫ْ‬                                                    ‫َّ‬
                                                            ‫ُ‬               ‫ُ‬
     ‫األلسنة وصار قصارى جهد الك َّتاب الذين يكتبون هبا أن يتلمسوا قبسا من فصاحة القرآن‬
                          ‫ً‬      ‫َّ‬
                                                      ‫ُ‬                              ‫ً‬
                                     ‫وبعضا من بالغته وحسن تأليفه وتناغم كلامته وأصواته.‬


                                                               ‫استقرار اللغة العربية:‬
     ‫عىل الرغم من أن التطور س َّنة جارية يف كل اللغات وأكثر مظاهره يكون يف الدالالت،‬
                                 ‫ُ‬                               ‫ُ‬
     ‫إال أن العربية ظلت حمتفظة بكل مستوياتـها ال ُّلغو َّية (صوتية ـ رصفية ـ نحوية ـ داللية)،‬
                                             ‫ٍ‬
                                    ‫وما تطور منها كان يف إطار املعاين األصلية وبسبب منها.‬
     ‫ويزداد إدراك أمهية االستقرار اللغوي الذي تتميز به العربية إذا ما تأملنا التغري الرسيع‬
              ‫ُّ‬
     ‫الذي يالحق اللغة اإلنجليزية (لغة احلضارة املعارصة)، فنصوص اإلنجليزية القديمة التي‬
             ‫مر عليها قرابة ثالثة قرون أصبحت عصية عىل الفهم بالنسبة لإلنجليزي املعارص.‬
                                                       ‫َّ‬
     ‫يضاف إىل ذلك ما نرشته جملة نيوزويك باللغة العربية حتت عنوان " تراجع اإلنجليزية‬
     ‫الفصحى الراقية عىل مستوى العامل واإلحساس باخلطر من رسعة تغريها "، ويتساءلون يف‬
                 ‫(1)‬                                                                    ‫َْ ِ‬
                    ‫فرض َّية علمية هلا ما يربرها: هل نحن (علامء اإلنجليزية) أمام لغة جديدة؟‬
                                                                           ‫َّ‬
     ‫ولعل هذا التغري الرسيع هو الذي دفع علامء هذه اللغة إىل إعادة صياغة النصوص‬
                                                                ‫ُّ‬
     ‫األدبية املهمة عندهم (مثل نصوص شكسبري ) بإنجليزية حديثة ‪Modern English‬‬
                                                                        ‫َّ‬
                         ‫يفهمها املعارصون بدال من اإلنجليزية القديمة ‪.Old English‬‬
     ‫يف حني أن العريب املعارص يقرأ آيات القرآن الكريم فال حيس معها بغرابة؛ ويكفي النظر‬
     ‫إىل هذه اآليات: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ‬
                             ‫ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﮊ (العرص).‬
                                                 ‫(1) نيوزويك، مارس 5002 م .ــــ (عدد22)، ص45 .‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬              ‫05‬




‫لنتأمل هذه السالسة السائدة يف السورة، وذلك الوضوح الداليل مع عمق املعاين، وذلك‬     ‫َّ‬
‫التناسق الصويت املتمثل يف ختم اآليات بفاصلة الراء املقفلة بالسكون، وتكرار حرف‬
‫الصاد بام فيه من تفخيم يتناسب وفخامة املقول، ويزيد من ع ُلو طبقته الصوتية جماورة الراء‬
                               ‫ُ رِّ‬
                                                    ‫َُ‬
‫املفخمة.. هذا إىل التدرج يف طول اجلمل بحيث توحي باالنتقال باخلطاب من الشدة والقوة‬
 ‫َّ‬                                                               ‫ُّ‬                  ‫َّ‬
‫والفخامة البالغة يف اآلية األوىل (والعرص) إىل درجة أخف يف اآلية الثانية، ثم ُختتَم السورة‬
         ‫ُ‬
                                                                      ‫َّ‬
‫بأطول آياهتا، وكأن يف ذلك إشارة إىل اللني والرفق باملؤمنني الذين عملوا الصاحلات‬
‫وتواصوا باحلق وتواصوا بالصرب... إنك لتشعر مع هذا االمتداد واهلدوء بزمان ممتد طويل‬
            ‫يملؤه املؤمنون بعمل الصاحلات واستمرار التوايص باحلق والتوايص بالصرب.‬
        ‫ِ‬
‫إن اجلملة القرآنية تتألف من كلامت وحروف ذات أصوات يسرتيح لتآ ُلفها السمع‬
‫والصوت، والنطق، ويتكون من اجتامعها عىل الشكل الذي رتبت عليه، نسق مجيل ينطوي‬
‫عىل إيقاع جيل رائع، ما كان لِ َيتِم إال بالصورة التي جاءت عليها اآليات، وأي وجه من‬
                                                        ‫َّ‬
             ‫التغيري أو التبديل أو النقص أو الزيادة يضيع معه هذا اجلامل واإلبداع القرآين.‬
                                                                             ‫تاأمل قوله تعالى:‬
‫ﮋﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃ‬
    ‫ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮊ (القمر)‬
‫وتأمل تناسق الكلامت يف كل مجلة منها، ثم دقق نظرك وتأمل تآلف احلروف الرخوة مع‬
‫الشديدة ومع املهموسة واملجهورة وغريها، ثم أمعن يف تآلف احلركات والسكنات واملدود‬
‫وتعاطفها مع بعضها، فإنك إذا تأملت يف ذلك علمت أن هذه اجلمل القرآنية إنام ص َّبت من‬
     ‫ُ ْ‬
                                 ‫ُ‬
‫الكلامت واحلروف واحلركات يف مقدار، وأن ذلك إنام قدرِّ ر تقديرا بعلم اللطيف اخلبري،‬
                         ‫ً‬
             ‫وهيهات للمقاييس البرشية أن تقوى عىل ضبط الكالم هبذه القوالب الدقيقة(1).‬
‫ولذلك فإنه عىل الرغم من مرور أكثر من أربعة عرش قر ًنا، ال يكاد اإلنسان جيد صعوبة‬
‫يف التواصل مع كلامت القرآن، وذلك يف كل املستويات ال ُّلغوية: (الصوتية، والرصفية،‬

             ‫(1) كامل اللغة القرآنية / حممد حممد داود. ــ ط1 .ـــ القاهرة: دار املنار، 7002م، ص012، 112.‬
‫15‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




                         ‫ً‬       ‫ُ َّ‬
     ‫والنحوية، والداللية (1)، وهذه ميزة عظيمة: أن تكون األمة موصولة برتاثها الزاخر تفيد‬
                                                                          ‫منه وتنتفع به.‬
                                                                                  ‫ُّ ُ‬
     ‫وتأمل مزية استقرار اللغة العربية التي تفردت بـها عن سائر اللغات التي تغريت وتبدلت‬
                                            ‫ً‬     ‫ٍ‬
                   ‫تغريا و َتبدُّ ال جعل من اللغة الواحدة لغات كثرية متباينة ـ جيعلنا نتساءل:‬
                                                                                       ‫ُّ ً َ‬
                                                                ‫ما ال�صبب وراء هذه املزية؟‬
     ‫هل يمكن إرجاع هذه امليزة إىل أن اللغة العربية كانت لغة عاملية فيها كل ما تفتقر إليه‬
                                                ‫ٍ‬
     ‫األمم يف كل األزمنة واألمكنة من ألفاظ ومعان وأخيِلة، بحيث جيد الناس فيها ما يفتقرون‬
                                                             ‫إليه؛ لذلك فهم حيرصون عليها؟!‬
                                           ‫وهذا بعيد؛ فام كانت اللغة العربية وال غريها كذلك.‬
     ‫أم أن مزية استقرار اللغة العربية ترجع إىل أهلها ومكانتهم االجتامعية والسياسية‬
                                                                 ‫َ رِّ‬
     ‫والعلمية؟! والواقع ُيكذب ذلك؛ فقد كان أهل العربية يف وضع متأخر الشأن بجوار‬
     ‫حضارتني عظيمتني مها حضارتا الفرس والروم، ويف حياتنا املعارصة تتالحق اهلزائم‬
                                                ‫سياسيا واقتصاد ًّيا وعسكر ًّيا عىل العرب.‬
                                                                                    ‫ًّ‬
     ‫وهكذا ينتهي بنا التاأمل اإلى اأننا ل جند �صببا مقنعا لهذه املزية �صوى اأنـها اأثر من‬
                                      ‫ً‬     ‫ً‬
                                              ‫اآثار القراآن الكرمي، ووجه من وجوه اإعجازه.‬

                                              ‫تـهذيب اللغة العربية (تنقية صوتية):‬

                         ‫ُ َّ‬
     ‫لقد َنحى القرآن الكريم عن اللغة ال َّتقعر يف الكالم، واأللفاظ احلوشية الثقيلة عىل السمع،‬
                                                     ‫ُّ‬                               ‫َّ‬
                              ‫ُْ ِ‬
     ‫إن من يتأمل النثر أو الشعر اجلاهيل يرى كثريا من الكلامت احلوش َّية، من ذلك: " جحيش "،‬
                                                  ‫ً‬
                 ‫و" مستشزرات "، و"جحلنجح"، و" البخصات "، و"املطاط " وغري ذلك كثري.‬
                                             ‫َّ‬                                 ‫ً‬
     ‫من ذلك أيضا ما رواه القايل يف أماليه أليب حملم الشيباين يف أواخر القرن الثاين من كتاب‬

     ‫(1) :‪Holes: Clive Modern Arabic: Structure, Functions and Varieties.- London‬‬
                                                           ‫.‪Longman، 1995-343p‬‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬                         ‫25‬




            ‫َ رِّ‬
‫له إىل بعض احلذائني يف نعل.. قال هذا املتقعر: " دهنا، فإذا هـمت تأتدن، فال ُختلها ُتـمرخد،‬
   ‫َ ْ ِ‬                      ‫َ َّ ْ‬        ‫ِْ‬    ‫رِّ‬                              ‫َّ‬
      ‫َْ ْ َْ ً َ ً‬             ‫َ ِ‬              ‫ِ ٍَْ‬                                ‫ْ َ ِ َّ‬ ‫َ َ‬
‫وق ْبل أن َتقفعل، فإذا ا ْئ َتدَ َنت فامسحها بخرقة غري وكية وال جش َّية، ثم امعسها معسا رقيقا، ثم‬
                                         ‫َّ‬                ‫ْ ْ َ ْ‬
                                      ‫ِ َّ‬     ‫َ‬                            ‫َّ ْ َ َ َ ْ ِ َ‬
                  ‫سن شفر َتك، وأمهها، فإذا رأيت عليها مثل اهل ْبوة فسن رأس اإلزميل".. إلخ.‬
                                                                                           ‫وانظر قول القائل:‬

                                 ‫ْ َ َ‬          ‫ِ‬
                            ‫فــاحــذر وال نَـــكْـــرت كَـــر ًّيـــا أعـــوجـــا‬
                                                        ‫َْ‬                 ‫ـ ـ‬
                                                              ‫ِ‬
                       ‫َ َ‬                             ‫ْ ً‬
         ‫عــلــجــا إذا ســـاق بــنــا عــفــنْــجــجــا!‬
             ‫َ َ‬
           ‫ُ‬
‫وتأمل تكرار صوت الكاف والعني واجليم عىل مسافات متقاربة؛ مما يثْقل عىل السمع‬ ‫َّ ْ‬
                       ‫واللسان، حتى يضيق به الناطق و َيمجه السامع وتنبو عنه القلوب.‬
                                                 ‫َ ّ‬
‫وتكفي نظرة إىل ديوان أي شاعر أو راجز من العرص اجلاهيل، لنرى إىل أي مدً ى كان أثر‬
                                                                   ‫ً‬
‫القرآن الكريم بالغا يف تصفية أصوات اللغة وتنقيتها؛ وإليك مثاال مما أورده صاحب "نظام‬
               ‫الغريب يف اللغة" لكلمة معروفة للعرب قاطبة هي "اللبن"، ومن مرادفاهتا:‬
‫لبن ُأمهجان، وأمهج بالفتح وأمهوج أيضا: اللبن اخلالص. واملارض: اللبن احلامض‬
                                                          ‫ً‬              ‫ُُْ‬                 ‫ُْ ٌ َُْ‬
                       ‫رِّ ْ‬                                      ‫َّ‬
‫ومنه سم َيت املضرية، ومثله اخلاثر. والض َياح: اللبن املمزوج باملاء. والرسل: اللبن احلليب‬                         ‫ُ رِّ‬
‫نفسه. واملذيق: اللبن املمزوج باملاء، والرصيح اخلالص منه. والعجالِط والعجلط: الرائب‬
           ‫ُ َ ِ‬               ‫ُ َ‬
                  ‫َ ِ ُّ‬
‫الغليظ. والروبة بغري مهز: اللبن احلامض الذي قد روب به احلليب. والعكي بتشديد الياء:‬
                                           ‫ُ رِّ َ‬                                                          ‫ُّ‬
‫جيمة: اللبن قبل أن حيمض. واحلاذر: اللبن احلامض، فإذا‬                            ‫ِ‬  ‫اللبن احلامض. واهلجمة واهلَ‬
                                                                                             ‫ُ ْ‬
                                                       ‫َْ ٌِ‬
‫تقطع وصار اللبن ناحية واملاء ناحية فهو ُممذقر، فإن تكبدَ بعضه عىل بعض ومحض فلم‬
                                        ‫َّ‬                                                                               ‫َّ َ‬
                                                                                    ‫ُ‬
‫يتقطع فهو إذك. والع َثلط واهلدَ بِد: ما خ َثر منه وتلبد. والصقر: أمحض ما يكون من اللبن،‬
                                   ‫َّ ْ‬             ‫َّ‬                 ‫َ‬                   ‫ُ ِ‬            ‫ْ‬
    ‫ََ‬                                                        ‫ْ ُ ِ َّ‬
‫فإذا صب عليه حليب فهو الرائثة واملرضة. والعكيس: اللبن احلليب ُيصب عىل مرق.‬
             ‫َ ُّ‬                                                            ‫َّ‬                                ‫ُ َّ‬
‫وال َّنخيسة: لبن الضأن ُيصب عىل لبن املعز. والصحرية: احلليب املسخن حتى حيرتق.‬
                                                 ‫َّ‬                                   ‫َ ُّ‬                             ‫ِ‬
‫والسمهج والسملج: اللبن إذا كان حلوا دسام. وامل ِْلعاز وامل ِْلهاز: اللبن خيتلط بعضه ببعض‬
                                                            ‫ً‬        ‫ً‬                             ‫َّ ْ َ‬           ‫َّ ْ َ‬
               ‫َ ُّ‬
‫عند املخض. والرصب والرصب: أمحض ما يكون من اللبن. والسجاج: أرق ما يكون من‬
                             ‫َ َ‬                                                  ‫َّ َ‬           ‫َّ ْ‬
‫35‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




                 ‫اللبن، واملَهو واملَسجور مثله. وال َّنسء: احلليب إذا مزج باملاء، وال َّنيس مثله(1).‬
                          ‫ِ ُّ‬                               ‫ْ‬                ‫ْ ْ ْ ْ ُ‬
     ‫بينام اكتفى القرآن الكريم بكلمة واحدة هي (اللبن)، وال عجب أن غابت كل تلك‬
            ‫الكلامت احلوشية والغريبة عن واقع االستعامل اللغوي، وبقيت الكلمة القرآنية.‬
                                 ‫ً‬
     ‫لقد كان القرآن بمثابة غربال ألصوات العربية، ومصفاة هلا أخرجت منها ما ينبو عنه‬
     ‫السمع وما يثقل عىل اللسان، والناظر يف هذا الكتاب الكريم جيد بني دفتيه أمثلة ناصعة‬
     ‫للنقاء الصويت والسالسة وجتسيد املعنى عن طريق الصوت بصورة إعجازية ال نجد هلا‬
                                       ‫مثيال يف أرقى مستويات الفصاحة اللغوية هلذه اللغة.‬

                   ‫ِ ُّ‬    ‫ٍ‬
     ‫كذلك َنحى القرآن الكريم كثريا من األلفاظ التي تعرب عن معان ال ُيقرها اإلسالم: من‬
                                                         ‫ً‬                   ‫َّ‬
                                                                                   ‫ذلك:‬
                          ‫« امل ِرباع »: وهو ربع الغنيمة الذي كان يأخذه الرئيس يف اجلاهلية.‬
                                                                                   ‫ْ‬
     ‫« الن�صيطة »: وهي ما أصاب الرئيس قبل أن يصري إىل القوم، أو ما يغنمه الغزاة يف‬
                                                         ‫الطريق قبل بلوغ املوضع املقصود.‬
                 ‫« املَكْ�س »: وهي دراهم كانت تؤخذ من بائعي السلع يف األسواق اجلاهلية.‬
                                               ‫ُ ُ رِّ ُ ِ‬
                 ‫ويف هذا سمو لغوي يتوازى مع السمو اخل ُلقي الذي أ َتى به القرآن الكريم.‬
                                                                            ‫ُ ُ ٌّ‬




                                                    ‫(1) نظام الغريب يف اللغة / عيسى الربعي، ص16: 56.‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬       ‫45‬




        ‫امل�ساألة الثانية: الإيقاع والنغم القراآين اخلالد‬
  ‫ُّ‬               ‫ُّ‬
‫دهش العرب حينام سمعوا القرآن، وحتريوا يف أمر هذا الكالم الذي تستلذه اآلذان وتستخفه‬
                                                       ‫َّ‬                              ‫ُ ِ َ‬
‫األلسنة وتقشعر منه اجللود وتطمئن به القلوب، وم ْبعث حريهتم ودهشتهم يعود ـ يف جانب‬
                                            ‫َ َ‬               ‫ُّ‬                 ‫ُّ‬
‫منه ـ إىل هذه اخلصائص الصوتية الفريدة للقرآن، وقد جسد الوليد بن املغرية هذه احلرية حني‬
                                        ‫َّ‬
‫قال يصف القرآن يف مقولته املشهورة: واهلل لقد وضعته عىل أقراء الشعر فام هو بالشعر، وما‬
      ‫هو بالسجع وال الكهانة، وإن أعاله ملثمر، وإن أسفله ملغدق، وإنه َل َيع ُلو وال ُيعىل عليه.‬
             ‫َْ‬           ‫ْ‬
                        ‫َّ‬                              ‫َّ‬
‫يف هذه الكلمة يتجسد ما متلك هذا الرجل وغريه من العرب لـمـا سمعوا القرآن الكريم‬
                                                                 ‫َّ‬
‫فقد اهتزت قلوهبم وهيمن الصوت القرآينُّ عىل مشاعرهم، وحتريوا يف شأن هذا النغم‬
‫الفياض ــ من أين يأتى؟! إنه ليس بشعر؛ ألنه ال يتفق مع أوزان الشعر وطرائق نظمه،‬         ‫َّ‬
‫كسجع الكهان، ومع ذلك تنساب أنغامه انسيا ًبا يف عذوبة وسالسة‬         ‫وليس بسجع متوازنٍ‬
‫وتآلف عجيب، وكأنه تيار موسيقي تتفجر منه النغامت من أعاله ومن أسفله عىل حد قول‬
                                                                              ‫َّ‬
‫الوليد، ولعل من بني ما تدل عليه عبارته: عمق التناسق بني أنغامه العالية القوية وبني‬
                                                           ‫أنغامه الرقيقة اهلادئة املنسابة.‬
                                  ‫َ ْ ِ‬
‫والنغم القرآين ينبعث من أصواته، وحسن جرسه، وتآلف ألفاظه، وطرائق األداء‬
‫املعروفة يف فن التجويد منذ عرص النبوة، ويشهد هلذا ما رواه أبو هريرة عن النبي صىل اهلل‬
                                                    ‫َّ‬
                ‫عليه وسلم أنه قال: " ما َأذن اهلل ليشء ما أذن للنبي أن يتغ َّنى بالقرآن " .‬
                 ‫(1)‬                                           ‫َِ‬
                                      ‫ٍ‬       ‫رِّ‬
‫والتغنرِّي بالقرآن يعني جتويده، باعطاء كل صوت من أصواته ما يستحق من صفات‬
‫وامتداد وعمق وتلوين؛ حتى يظهر املعنى وظالل املعنى يف وضوح تام، ويف أداء مجايل ممتع‬
                      ‫ٍّ‬
‫للسمع والفؤاد. وليس من قبيل الصدفة أن القرآن الكريم قد ُأ ْنزل عىل قلب حممد صىل اهلل‬
                          ‫َِ‬
   ‫عليه وسلم.. إ َّنه خطاب إىل القلب؛ ولذلك كان لإليقاع فيه نصيب كبري، قال اهلل تعاىل:‬
    ‫ﮋﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔﮊ (البقرة: 79 ).‬
‫واإليقاع القرآين يز القلوب ويأخذ بمجامعها؛ ولذلك كان للنبي صىل اهلل عليه وسلم‬
                                     ‫ً‬           ‫ً‬     ‫ٌ‬
‫عند سامع القرآن أحوال، فمرة يرجتف، وتارة ينبسط... وهكذا بحسب املعاين التي‬


                                                          ‫(1) أخرجه البخاري يف صحيحه (6364).‬
‫55‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




     ‫تتضمنها اآليات واإليقاع املصاحب هلا،وقد ارتبط أداء القرآن الكريم باملقامات املوسيقية‬
     ‫العربية كالبيايت والنهاوند والرست واحلجاز والصبا وغريها، ولكل مقام من هذه املقامات‬
                                             ‫َّ‬                 ‫َّ‬
                    ‫طرق عديدة وأساليب متباينة يف إبراز وجوه النغم القرآين املتنوع والفريد.‬
                                ‫ّ رِّ‬
     ‫وينبعث النغم القرآين من تواىل املقاطع الصوتية عىل مسافات منتظمة متقاربة، بام يمنح‬
                             ‫ِ ُّ‬
     ‫األذن إحساسا بالتوازن اإليقاعي، دون رتابة أو مجود كالذي ُنحس به حني نسمع األسجاع‬
                                                                                    ‫ً‬
     ‫واحد؛ لتنوع الفواصل أو‬    ‫املتامثلة يف مقاطعها، فالنغم القرآنى متوازن اإليقاع ومتجدرِّ د يف آنٍ‬
                                      ‫ٌ‬
                ‫َِ ً‬
             ‫املسافات الفاصلة بني مواضع النرب يف الكلامت، واختالف الكلامت طوال وقرصا.‬
                ‫َّ ْ‬       ‫ُ‬
     ‫هذا باإلضافة إىل تلوين األداء القرآين وحتسينه عن طريق املدرِّ والغ َّنة والسكت القصري‬
     ‫والسكون، وغري ذلك من خصائص التالوة القرآنية التي تضيف إىل عظمة النغم القرآين‬
                        ‫َّ‬
     ‫توازن اإليقاع، فتجويد القرآن يشتمل إىل جانب إعطاء األصوات حقها عىل أمور أخرى،‬       ‫ُ َ‬
     ‫منها: املد بأنواعه والغنة والسكت وما إىل ذلك مما ُيعدُّ من قبيل االنقطاع املؤقت لتوايل‬
                                          ‫َ‬
     ‫األصوات التي تتكون منها األلفاظ. فإذا قرأ القارئ مع الرتتيل أتى بكل رتل وآخر وبينهام‬
                                                    ‫فرتة انقطاعه إما مد أو غنة أو سكت إلخ..‬
     ‫هذا النوع من الرتتيل يضيف إىل إيقاع القرآن الكامن يف نظمه إيقاعا آخر طارئًا عليه‬
                       ‫ً‬
     ‫من خالل األداء والقراءة، فإذا اجتمع اإليقاع الصويت وذلك اإليقاع الرتتييل مل يكن لألذن‬
     ‫إال أن تستمع وتنصت وتستمتع باجلامل، وسبحان اهلل و تعاىل إذ يقول لعباده املؤمنني:‬
            ‫(1)‬
               ‫ﮋﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﮊ (األعراف402)‬

                                                                              ‫ُ َّ‬
     ‫كام أن القراء املجيدين يستطيعون إبراز املعاين القرآنية صوتيا عن طريق التنغيم؛ أي رفع‬
                              ‫ًّ‬
     ‫الصوت وخفضه وتلوينه بألوان خمتلفة تعرب عن الفرح، أو احلزن، أو اخلوف، أو الدهشة،‬
                                                  ‫رِّ‬
                                                 ‫أو التعجب، أو الغضب، أو الرضا... إلخ.‬

                                                                         ‫اإليقاع في العربية:‬
                                          ‫َْ ِ‬
     ‫مصطلح اإليقاع يف العربية مستمدٌّ من وقع املطر. وهو يف عرف أهل اللغة عبارة عن‬
                                    ‫"اتفاق األصوات واألحلان وتوقيعها يف الغناء أو العزف(2)".‬

                                                  ‫(1) البيان يف روائع القرآن / متام حسان، ج1، ص981، 091.‬
     ‫(2) املعجم العريب احلديث / الروس، 3791م، صـ 502. لسان العرب / ابن منظور. ــ ط3. ــ بريوت: دار صادر،‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬            ‫65‬




‫واإليقاع غري الوزن، ومن املناسب أن نشري ـ هنا ـ إىل الفرق بينهام، إذ طاملا اختلط األمر‬
                                      ‫ٍ‬
‫بشأهنام؛ ذلك أن الوزن عندما يتمثل لدى بداية تركيب ما، فإنه "اليفتأ قائمـا دون أن يصيبه‬
                 ‫ً‬
      ‫ٌّ َ ٌ‬       ‫َ ٌْ‬        ‫َّ‬
‫تغيري إىل هنايته، مثله مثل الشكل امليكانيكي؛ يف حني نجد أن اإليقاع خلق مجايل حمْض (1)".‬
                                                  ‫ّ‬

                                                                        ‫اإليقاع في القرآن:‬
‫من دوافع االهتامم بإيقاعية القرآن الكريم: خروج هذه اإليقاعية عن منظومة أشعار‬
‫العرب وما َألِفوه فيها، حيث وجدوا أنفسهم أمام ظاهرة متمثلة يف "اتساق القرآن، وائتالف‬
                                                                     ‫ُ‬
                                                   ‫ُ‬
‫حركاته وسكناته، ومدَّ اته، وغ َّناته، واتصاالته، وسكتاته، ذلك ما يسرتعي األسامع،‬
 ‫ويستهوي النفوس بطريقة ال يمكن أن يصل إليها أي كالم آخر من منظوم أو منثور(2)".‬
    ‫ٍ‬
‫إن السامت البارزة يف بنية اخلطاب القرآينّ، هلي ذلك الرتتيب يف احلروف باعتبار من‬
 ‫ً‬                                     ‫ً‬            ‫ُ ٍّ‬
‫أصواهتا وخمارجها، ومناسبة كل لآلخر مناسبة طبيعية: مهسا وجهرا، شدة ورخاوة، تفخيام‬
                     ‫ً‬     ‫ً‬
                                                                        ‫رِّ‬   ‫ً‬
                                                           ‫وترقيقا، تفش ًيا وتكرارا.‬
                                                             ‫ً‬
                                                                 ‫َ َ‬
‫وإذا ما رمنَا َتـمثُّـل ذلك بآذاننا؛ بل بوجداننا وإحساساتنا، فلنستمع إىل مطلع سورة‬
                                                                            ‫ُْ‬
                                                                          ‫َ‬
‫العاديات وهي ُتتىل علينا؛ فام من شك أن أول ما يطرق آذاننا هو تلك احلركات والطرقات‬
‫املتواليات، كام تفعل"اخليول" حال ركضها قال ًبا بقالب، فال ريب أن األلفاظ تفعل فينا ما هو‬
‫أمجل وأجل من السحر بمنتهياهتا املتامثلة يف قوله تعاىل: ﮋﮕ ﮖ ﮗ ﮘ‬   ‫رِّ ْ ِ‬      ‫ُّ‬
‫ﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨ‬
‫ﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯗﯘﯙﯚ‬
   ‫ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﭑ ﭒ ﭓﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﮊ‬
                          ‫َ ٍّ‬
‫ويؤكد الرافعي أن املدار يف هذه السورة قائم بشكل جيل ومسموع عىل خاصية اإليقاع؛‬


                                                                                   ‫4991م، مادة: وقع.‬
‫.24 .‪(1) Jean Cohen, Structure du Langage poetique, Flammation, Paris. 1966. P‬‬
        ‫(2) التعبري الفني يف القرآن / أمني بكري شيخ . ط4 . ـ القاهرة : دار الرشوق ،] د.ت [، ص581: 891.‬
‫75‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




     ‫فيقول: "ولو تدبرت ألفاظ القرآن يف نظمها، لرأيت حركتها الرصفية واللغوية جتري يف‬
        ‫ُ‬
     ‫الوضع والرتكيب جمرى احلروف أنفسها فيام هي لـه من أمر الفصاحة، فيهيئ بعضها‬
            ‫ُ‬                                                    ‫َ‬
                                                          ‫ً‬     ‫ُ‬           ‫ٍ‬
     ‫لبعض، ويساند بعضها بعضا، ولن جتدها إال مؤتلفة مع أصوات احلروف، متساوقة معها‬
     ‫يف النظم املوسيقي، حتى إن احلركة ربام كانت ثقيلة يف نفسها لسبب من أسباب الثقل أ ًّيا‬
     ‫كان؛ فال َتعذب وال ُتساغ، ربام كانت َأوكس النصيبني يف حظ الكالم من احلرف واحلركة؛‬
                                                     ‫ْ‬                         ‫ُْ‬
                                                                        ‫ْ َِ ْ‬
     ‫فإذا هي اس ُتعملت يف القرآن رأيت هلا شأ ًنا عجي ًبا، ورأيت أصوات األحرف واحلركات‬
                                                              ‫ً‬
     ‫التي قبلها قد امتهدت هلا طريقا يف اللسان، واكتنفتها برضوب من النغم املوسيقي، حتى إذا‬
                                                       ‫َ َ َّ‬
                                                 ‫خرجت فيه كانت أعذب شء وأرقه(1)".‬
     ‫ومصطفى صادق الرافعي إذ يؤكد هذه اخلصيصة مل يفتأ ُيقدرِّ م الشاهد تِلو اآلخر عىل‬
          ‫َْ َ ِ‬                 ‫َ‬
                                                    ‫ُ‬
     ‫ما يذهب إليه، ومن ذلك إيراده للفظة: (ال ُّنذر). ويف ذلك يقول: "فإن الضمة ثقيلة فيها ـ‬
     ‫أي لفظة النذر ـ لتواليها عىل النون والذال معا، فضال عن جس َأة هذا احلرف ـ صالبته أو‬
                                   ‫َ ْ‬            ‫ً‬
     ‫صعوبة النطق به ـ و ُن ُبوه يف اللسان، وخاصة إذا جاء فاصلة للكالم، فكل ذلك مما يكشف‬
                                                                       ‫رِّ‬
     ‫عنه ويفصح عن موضع الثقل فيه، ولكنه جاء يف القرآن عىل العكس، وانتفى من طبيعته يف‬
                             ‫قولـه تعاىل: ﮋ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮊ (القمر:63).‬

       ‫ِ‬     ‫َْ ِ‬                ‫َ َّ ْ‬                    ‫ِْ‬
                                                               ‫َ‬
     ‫فتأمل هذا الرتكيب، وأنْعم ثم أنعم عىل تأمله، و َتذوق مواقع احلروف، وأجر حركاهتا‬
                          ‫َ‬
                                                                  ‫َّ ْ‬
     ‫يف حس السمع، وتأمل مواضع القلقلة يف دال (لقد)، ويف الطاء من (بطشتنا)، وهذه‬ ‫ِ رِّ‬
     ‫الفتحات املتوالية فيام وراء الطاء إىل واو (متاروا)، مع الفصل باملد... ثم ردد نظرك يف‬
              ‫َ رِّ‬
     ‫الراء من(متاروا)، فإهنا ما جاءت إال مساندة لراء (النذر)، حتى إذا انتهى اللسان إىل هذا‬
                             ‫ُ‬
     ‫انتهى إليها من مثلها، فال جتفو عليه وال تغلظ، ثم اعجب هلذه الغ َّنة التي سبقت الطاء يف‬
                                      ‫ْ َ ْ‬
                                                                                ‫ُ‬
                                    ‫(أنذرهم)، وللغ َّنة األخرى التي سبقت الذال يف (النذر)(2)".‬
     ‫ونرى سيد قطب ال يكتفي بالتلويح إىل احتواء النظم القرآين عىل اإليقاعية من باب‬

     ‫(1) إعجاز القرآن والبالغة النبوية / مصطفى صادق الرافعي ط9 . بريوت : دار الكتاب العريب،3791م، ص722.‬
                                                                      ‫(2) املرجع السابق، ص 722، 822.‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬          ‫85‬




‫وصفها السطحي؛ وإنام نلفيه يف الكثري من املرات يقف وقفة املتأمل يف هذه اخلصيصة التي‬
‫امتاز هبا القرآن، ومتتبعا ألرسارها وحقائق تواجدها بشكلها املتميز، وهو لذلك يقول: "‬
                                                                    ‫ً‬
                      ‫ََ‬         ‫َْ‬
‫فأما تنوع أسلوب املوسيقى وإيقاعها بتنوع األجواء التي ُتطلق فيها؛ فلدَ ْينَا ما نعتمد عليه‬
             ‫يف اجلزم بأنه يتبع نظاما خاصا، وينسجم مع اجلو العام باطراد ال َيس َتثْنِي(1)".‬
                           ‫ْ‬         ‫رِّ‬                         ‫ًّ‬   ‫ً‬
‫ٍ‬      ‫ٍ‬                                                          ‫ً‬
‫وهو ـ أيضا ـ حياول الربط بني جو النص القرآين واإليقاع؛ فريى بعد تفحص وإمعان‬
‫أن ذلك اإليقاع ما هو إال انعكاس للجو العام الذي يطبع اخلطاب الـمدْ رج فيه، فهو يرى‬
              ‫ُ َ‬                                  ‫ٌ‬                ‫َ‬
‫أن جو سورة (النازعات) أشبه بالزلزال الكبري الذي ُيفقد كل شء توالزنه، وترتادف‬
‫مزعجاته، فإذا القلوب مضطربة واألبصار كسرية، "ذلك اجلو رسيع النبض، شديد‬
‫االرجتاف، والذي ينسجم متام االنسجام مع إيقاعها، حيث هذه املقطوعة رسيعة احلركة،‬
                                                                ‫قصرية املوجة، قوية املبنى(2)".‬
‫كام أنه يرى يف قوله تعاىل: ﮋ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘ‬
‫ﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧ‬
‫ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖﯗ ﯘ‬
‫ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩﮊ‬
‫يرى فيه ذلك اجلو املفعم بالرعب واهلول والفزع، والذي ينسجم متام االنسجام مع إيقاع‬
                                                                ‫َّ‬
‫ٍ‬         ‫ً‬
‫هذا املقطع القرآين، حيث " إن التكوين املوسيقي للجملة ليذهب طوال وعرضا يف عمق‬
‫وارتفاع، ليشرتك يف رسم اهلول العريض العميق، واملدات املتوالية املتنوعة يف التكوين‬
                                                                          ‫ٍ‬
‫اللفظي لآلية تساعد يف إكامل اإليقاع وتكوينه واتساقه مع جو املشهد الرهيب العميق(3)".‬
‫ومن ذلك أيضا ما ذكره الشيخ حممد الغزايل عند تفسري قوله تعاىل:ﮋﭯﭰﭱﭲ‬
‫ﭳ ﭴﮊ إذ يقول: "وكنت أسمع هذه اآليات من فم قارئ ندى الصوت وقف عىل‬
              ‫رِّ‬                            ‫ُ‬

                ‫(1) التصوير الفني يف القرآن / سيد قطب . ط1 . القاهرة : دار الرشوق ، 8891 م، ص011 .‬
                                                                       ‫(2) املرجع السابق، ص 111.‬
                                                                       ‫(3) املرجع السابق، ص 311.‬
‫95‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




     ‫ُ َ‬
     ‫كلمة (مغلوب) وأطال مدَّ الواو ست حركات مليئة بالقهر والرضاعة واالستنجاد، خ رِّيل‬
                                                        ‫ّ‬
     ‫إيل أهنا امتألت بآالم تسعة قرون ونصف من جهاد الدعوة وفشل االستجابة، ونظرت‬
      ‫ُ‬                                                                                ‫َّ‬
                          ‫(1)‬                        ‫َّ‬
                             ‫حويل فرأيت الدموع تطفر من األعني رقة لعبودية نوح واسغاثته".‬
     ‫ويشري الدكتور صبحي الصالح إىل اإلعجاز يف نغم القرآن بقوله: "إن هذا القرآن ـ يف‬
     ‫كل سورة منه وآية، ويف كل مقطع منه وفقرة، ويف كل مشهد منه وقصة، ويف كل مطلع منه‬
                                      ‫ٍ ً‬
     ‫وختام ـ يمتاز بأسلوب إيقاعي غني باملوسيقى، مملوء نغام، حتى ليكون من اخلطأ الشديد‬
                                                         ‫ٍّ‬
                                          ‫َِ‬                         ‫ِ َ‬
     ‫يف هذا الباب أن ُنفاضل بني سورة وأخرى، أو ُنوازن بني مقطع ومقطع، لكننا حني نومئ‬
                           ‫رِّ‬
     ‫إىل تفرد سورة منه بنسق خاص، إنام نقرر ظاهرة أسلوبية بارزة نؤكدها بالدليل، وندعمها‬ ‫ُّ‬
                                                                               ‫رِّ‬
     ‫بالشاهد، مؤكدين أن القرآن نسيج واحد يف بالغته وسحر بيانه، إال أنه متنوع تنوع موسيقى‬
              ‫رِّ ٌ ُّ َ‬
                                                             ‫الوجود يف أنغامه وأحلانه! (2)".‬
     ‫وعن اللفظة القرآنية يقول الدكتور صبحي الصالح: " تكاد تستقل ـ بجرسها ونغمها‬
              ‫ً‬        ‫ً‬
     ‫بتصوير لوحة كاملة؛ فيها اللون زاه ًيا أو شاح ًبا، وفيها الظل شفيفا أو كثيفا... وحني‬
     ‫تتسمع مهس السني املكررة تكاد تستشف نعومة ظلها مثلام تسرتيح إىل خفة وقعها يف‬
     ‫قوله تعاىل: ﮋ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ‬
                                                                                ‫ﮘﮊ (التكوير).‬
     ‫(آل عمران:‬   ‫وتقرأ قوله تعاىل: ﮋﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰﮊ‬
     ‫581)، فال ترى يف املعجم غري كلمة "زحزح" ُتصور مشهد اإلبعاد والتنحية، بكل ما يقع‬
                                           ‫َ رِّ‬
     ‫يف هذا املشهد من أصوات.. وما أحسب شفتيك إال منطبقتني استقباحا واستهجا ًنا حلال‬
                       ‫ً‬
     ‫الكافر الذي يتجرع صديده وال يكاد يسيغه، يف قوله تعاىل: ﮋ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ‬
                                             ‫ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﮊ (إبراهيم).‬
     ‫وال أحسبك إال مستشعرا عنف لفظة الكبكبة يف قوله تعاىل: ﮋﮏ ﮐ ﮑ‬
                                             ‫ً‬

     ‫(1) نحو تفسري موضوعي لسور القرآن الكريم/ الشيخ حممد الغزايل..ـ ط8، القاهرة: دار الرشوق، 6241هـ/‬
                                                                                ‫5002م، ص914، 024.‬
                     ‫(2) مباحث يف علوم القرآن / صبحي الصالح . ــــ القاهرة : مكتبة وهبة ، 4002م ، ص 433.‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬             ‫06‬




‫ﮒﮊ (الشعراء: 49)، حتى لتكاد تتصور أولئك املجرمني ُيك ُّبون عىل وجوههم‬
                 ‫َ‬
                                                                  ‫َْْ َ‬
                    ‫أو عىل مناخرهم، و ُيلقون إلقاء املهملني، فال يقيم أحد هلم وز ًنا!(1)".‬
                                                      ‫َ َ‬
‫ويشري الدكتور حممد عبد اهلل دراز إىل التفرد يف النظم الصويت للقرآن قائال: " أول ما يالقيك‬
                                               ‫ُّ‬
‫ويستدعي انتباهك من أسلوب القرآن الكريم، خاصية تأليفه الصويت يف شكله وجوهره ".‬
  ‫(2)‬


‫ويضيف الدكتور دراز: " دع القارئ الـمجود يقرأ القرآن ير رِّتله حق ترتيله نازال‬
                 ‫َّ‬                       ‫ُ َ رِّ‬
                      ‫ْ‬
‫بنفسه عىل هوى القرآن، وليس نازال بالقرآن عىل هوى نفسه، ثم انتبِذ منه مكا ًنا قصيا ال‬
    ‫ًّ‬
                    ‫ُ‬
‫تسمع فيه جرس حروفه، ولكن تسمع حركاهتا وسكناهتا، ومدَّ اهتا وغ َّناهتا، واتصاالهتا‬
                                  ‫َ‬
‫وسكتاهتا، ثم َألق سمعك إىل هذه املجموعة الصوتية وقد جردت جتريدً ا وأرسلت‬
 ‫ُْ َِ ْ‬                ‫ُ رِّ َ ْ‬                                     ‫ْ ِ‬
                                                ‫ٍ‬
‫ساذجة يف اهلواء، فستجد نفسك منها بإزاء حلن غريب ال جتده يف كالم آخر لو جرد هذا‬
       ‫َ ُ رِّ َ‬                                                                  ‫َ ً‬
                                                        ‫التجريد وجود هذا التجويد(3)".‬
                                                                          ‫ُ رِّ َ‬
‫إن موسيقى القرآن وإيقاعه ال ينبعان من جرس احلروف والكلامت، وال من جتانس‬
‫األصوات والرتاكيب فحسب، بل من هذا التآزر بني الصوت واملعنى، بني األنغام اخلارجية‬
‫والنغم الداخيل املنبعث من املعاين وظالهلا املرهفة الباعثة عىل التأمل العميق والتدبر املتأين‬
                        ‫ّ‬                                         ‫َِْ‬
‫لكلامته وآياته، فرتتعد لوقعه القلوب، وتقشعر اجللود، ثم تلني وترق خاشعة لذكر اهلل، قال‬
‫تعاىل: ﮋ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ‬
                               ‫ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻﭼ ﮊ (الزمر: 32).‬




                                                                     ‫(1) املرجع السابق، ص 533، 633.‬
 ‫(2) النبأ العظيم : نظرات جديدة يف القرآن / حممد عبد اهلل دراز . ط6 . الكويت : دار القلم ، 4891م، ص 101.‬
                                                                     ‫(3) املرجع السابق، ص 101، 201.‬
‫16‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




               ‫امل�ساألة الثالثة: الفا�سلة بني التنا�سق ال�سوتي‬
                              ‫ورعاية املعنى‬
     ‫أود هنا ـ بداية ـ توضيح مالحظة تتصل بأدب السلف الصالح، حيث أطلقوا عىل‬   ‫ً‬          ‫ُّ‬
     ‫نـهايات اآليات القرآنية تسمية "رءوس اآليات"، متييزا هلا عن مصطلحات الشعر والنثر،‬
                                          ‫ً‬
     ‫ففي الشعر نقول: صدر البيت وعجزه، ويف النثر نقول: بداية اجلملة ونـهايتها، فبداية‬
     ‫اآلية عندهم كنـهايتها: رأس، أي مستوى من االرتفاع واالرتقاء ال ينتهي وال يبط أبدً ا،‬
                       ‫َّ‬                          ‫ِ‬
     ‫والوقف عند الرأس يشعر بأن آيات القرآن قمم يرقى القارئ إليها، وكلام مىض يف القراءة‬
                               ‫ْ َ‬
     ‫ازداد رقيا، فهو صاعد أبدً ا، حيث يقال لقارئ القرآن: " اقرأ وارق، ور رِّتل كام كنت ترتل يف‬
                                                                                     ‫ًّ‬
                                                   ‫الدنيا؛ فإن منـزلتك عند آخر آية تقرؤها ".‬
                                                     ‫(1)‬


     ‫ومعلوم أن رءوس اآليات توقيفية، أي كام جاءت بالتلقي عن سيدنا رسول اهلل صىل‬
     ‫اهلل عليه وسلم. واملالحظ يف رءوس اآليات النغم الصويت الذي يلفت االنتباه وتسرتيح له‬
                                                                ‫َ‬
     ‫األذن إىل حد يأخذ بال َّنفس، ولعله كان أحد األسباب التي جعلت الوليد يقول بعد سامعه‬
               ‫ِ رِّ‬          ‫ِ رِّ‬
        ‫القرآن الكريم: " إن له حلالوة وإن عليه لطالوة "، ومها من حس اللسان وحس األذن.‬
     ‫وإذا ما حاولنا الكشف عن الظاهرة بأسلوب علمي، وذلك بتتبع أصوات احلروف‬
                                                                     ‫َ رِّ‬
       ‫واحلركات التي ُتكون هذه الفواصل بـهذا التناسق الصويت املبدع، فإننا نالحظ التايل:‬
     ‫كثرة احلركات، وبخاصة الطويلة (حروف املد: األلف والواو والياء)، بام هلا من نغامت‬
                                                            ‫منتظمة تسيطر عىل حلن الكالم.‬
     ‫كثرة ورود الصوامت املتوسطة (النون، امليم، الراء، الواو، الياء)، وهي قريبة ـ من الناحية‬
             ‫الفيزيائية ـ إىل طبيعة احلركات، التي تسهم يف خاصية التنغيم الشجي بشكل واضح.‬
                            ‫رِّ‬
                                      ‫ُ‬                      ‫َّ ٌ‬ ‫ٌ‬
     ‫ُيدَ عم هذا ظواهر صوتية خاصة بالقرآن كالـمدرِّ والغ َّنة، وكل هذه العنارص الصوتية ال‬
                                               ‫َ‬                        ‫ُ‬         ‫رِّ ُ‬
                           ‫تكون بـهذا التناسب الفريد يف غري القرآن من فنون الشعر والنثر.‬

     ‫(1) أخرجه أمحد يف مسنده (8056)، والنسائي يف سننه (6508)، وابن حبان يف صحيحه (767)، وقال األلباين يف‬
                                                           ‫صحيح الرتغيب والتهذيب: حسن صحيح (6241).‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬   ‫26‬




‫�صوؤال اعرتا�صي: هل هذا التناسب الصويت هو من قبيل السجع، حيث يتواىل الكالم‬
‫املنثور عىل حرف واحد؛ ليكتسب النثر رض ًبا من املوسيقى والنغم؟ َأم هو من قبيل القافية‬
                   ‫ْ‬
                                                                         ‫يف الشعر؟‬
‫واجلواب: ال هذا وال ذاك؛ فالفاصلة يف القرآن ليست عىل وترية واحدة، كام هو احلال يف‬
‫كل من السجع والقافية، فهي ال تلتزم شيئًا من ذلك، حيث جتري يف عدد من آيات القرآن‬   ‫ٍّ‬
‫عىل نمط، ثم تتحول عنه إىل نمط آخر، ومن خالل جريا عىل نمط واحد، فأغلب ما تقوم‬
                                                 ‫عليه هو حرف املد كام يف هذه اآليات:‬

‫ﮋ ﭑﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ‬
‫ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰﭱ‬
‫ﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁ‬
      ‫ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮊ ( ق).‬
‫والفاصلة قيمة صوتية ذات وظيفة داللية، ورعايتها تؤدي إىل تقديم عنرص أو تأخريه،‬
                               ‫ً‬
           ‫ليس رعاية للتناسق الصويت فقط، بل رعاية للمعنى أيضا، وهذا هو اإلعجاز.‬
                   ‫مثاله قول اهلل تعاىل: ﮋ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﮊ (الفاحتة).‬
‫فاإن قلت: مل قدَّ م العبادة على ال�صتعانة؟ أجابك اللغويون القدماء أصحاب احلس‬
‫املرهف، وعىل رأسهم الزخمرشي، حيث قال: " هو من تقديم العلة عىل املعلول". وقال أبو‬
                                                  ‫السعود: " هو من تقديم األرشف ".‬
‫وقوله تعاىل: ﮋ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﮊ (الليل)، ملاذا قدم اآلخرة عىل األوىل؟‬
‫واجلواب: أن ذلك مرتبط بسياق السورة ومقصدها؛ فقد قامت السورة لتأكيد سوء العاقبة‬
                                                                 ‫َّ‬
‫واإلنذار ملن كذب وأعرض بالتنكيل به يف اآلخرة، يف مقابل الثواب الذي ينتظر من أحسن‬
‫وتصدَّ ق، فإذا ما حتقق مع هذا املعنى االنسجام الصويت وتناسب اإليقاع يف الفواصل،‬
                ‫فذلك ال يتم عىل هذا الوجه من الكامل يف غري هذا النظم القرآين املعجز.‬
‫36‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




     ‫ومن قال بالتقديم لرعاية الفاصلة فقط، فهو قصور عن فهم املعنى املراد؛ فالتقديم‬
                                                               ‫والتأخري يرتبطان بالسياق واملعنى املراد.‬
     ‫كذلك فإن الرتتيب يف تقديم الصفات اخلاصة باهلل تبارك وتعاىل، أو األنبياء ـ صلوات‬
     ‫اهلل وسالمه عليهم ـ مرتبط بالسياق، من ذلك قوله تعاىل: ﮋﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ‬
            ‫ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﮊ (سـبأ).‬

     ‫وقوله تعاىل: ﮋ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ‬
     ‫ﮫﮊ (احلجرات).فقدم الرمحة يف آية سبأ؛ ألنـها منشأ املغفرة. أما الغفور فتقدم يف كل‬
     ‫رِّ‬
                                                                  ‫ً‬
                                ‫موضع يف القرآن فيه ولو إشارة إىل وقوع املعايص وكفران النعم(1).‬
                                                                                          ‫ٍ‬
                                                                                     ‫َّ َّ‬
     ‫وإن مـمـا يلفت االنتباه أن القرآن الكريم قد خال من التنافر يف بنية كلامته، فأصواته كلها‬
                                                                     ‫َ‬
     ‫قامت عىل االئتالف، هذا من جانب، ومن جانب آخر فقد سجلت كلامت القرآن الكريم‬
        ‫َ َّ‬
     ‫قمة التناسق بني أصواتـها واملعانى املرادة هلا، وهذا هو اجلديد يف الصوت القرآين: أن ُيوظف‬
       ‫َّ َّ‬    ‫َّ َّ‬
     ‫الصوت املفرد داخل الكلمة خلدمة املعنى املقصود، ومن ذلك كلامت: الصاخة، الطامة،‬
     ‫القارعة، وك ُّلها أسامء ليوم القيامة، وقد جاءت حروف االستعالء: الصاد يف (الصاخة)،‬
          ‫َّ َّ‬
                               ‫ُ‬                                           ‫َّ َّ‬
     ‫والطاء يف (الطامة)، والقاف يف ( القارعة )، وتال كال منها حرف املد ( األلف ) ليعطي أقىص‬
                                      ‫مدً ى من التفخيم. ويف هذا إشارة إىل أبلغ القوة والشدة واملفاجأ‬




     ‫(1) معجم الفروق الداللية يف القرآن الكريم لبيان املالمح الفارقة بني األلفاظ متقاربة املعنى والصيغ واألساليب‬
                                          ‫املتشاهبة / حممد حممد داود . ــــ القاهرة : دار غريب ، 8002 م، ص226.‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬          ‫46‬




                ‫امل�ساألة الرابعة: اإيحاء ال�سوت باملعنى‬
      ‫ُ ِ‬                           ‫ِ َ َ ْ ُ‬                            ‫ْ َ‬
‫ُيقصدَ بإحياء الصوت باملعنى: أن ُيوحي جرس أصوات الكلمة بمعناها الذي رصدَ هلا‬
                              ‫ٍ‬                             ‫َْ ُ‬
‫يف املعجم، فيلتقي اجلرس والعرف عندئذ ال عىل مصادفة وحمض اتفاق، ولكن انتقاء اللفظ‬
                                                       ‫ُ‬
                                                  ‫يكون عن تعمد وحسن اختيار(1).‬
                                                                   ‫ُّ‬
  ‫ً‬      ‫ً‬
‫وإن من إعجاز القرآن وتفرده الرائع يف الداللة: ارتباط الصوت بمعانيه ارتباطا وثيقا.‬
                                                             ‫ُّ‬
                                                                   ‫ّ‬             ‫َّ‬
‫وقد تأكد لعلامء العربية أن اجلانب الصويت ركن أسايس يف بناء التعبري القرآين يف مواضع‬
            ‫ّ‬                           ‫ٌ‬
‫عدة من التنـزيل. وقد تنبه اللغويون القدماء إىل هذه الظاهرة الصوتية، فنقل ابن جني‬
                                                                ‫َّ‬
      ‫َّ‬                       ‫ً‬              ‫ُ‬
‫عن اخلليل قوله: "كأهنم تومهوا يف صوت اجل ْندُ ب استطالة ومدًّ ا فقالوا: رص، وتومهوا يف‬
              ‫َ َّ‬
                                                   ‫صوت البازي تقطيعا فقالوا: رصرص(2).‬
                                                         ‫َ ْ‬         ‫ً‬
                         ‫ِ‬
‫وعقد ابن جني هلذه الظاهرة با ًبا أسامه: "باب يف إمساس األلفاظ أشباه املعاين"، ساق فيه‬
                  ‫َ‬
                        ‫ما ذكره اخلليل وسيبويه، ثم أورد أمثلة عديدة، نجتزئ منها بقوله:‬
‫"فأما مقابلة األلفاظ بام يشاكل أصواهتا من األحداث فباب عظيم واسع(3)، وهنج م ْتلئِب عند‬
      ‫َ ْ ٌ ُ َ ٌّ‬    ‫ٌ‬                                                           ‫َّ‬
           ‫ُ َ َّ‬        ‫َ ْ ِ‬
‫عارفيه مأموم، وذلك أهنم كثريا ما جيعلون أصوات احلروف عىل سمت األحداث املعرب هبا عنها‬
                                                           ‫ً‬
                                         ‫َ‬                                               ‫َ َ‬
‫ف ُيعدرِّ لوهنا هبا وحيتذوهنا عليها. وذلك أكثر مما ُنقدرِّ ره وأضعاف ما نستشعره، من ذلك قوهلم:‬
                                 ‫َ ْ ُ ُ ْ ِ‬          ‫َّ ْ‬   ‫َ ْ ُ َْ‬
‫خضم، وقضم، فاخلضم ألكلِ الرطب، والقضم للصلب اليابس، فاختاروا اخلاء لرخاوهتا‬
                                            ‫َ ْ ً‬                        ‫َّ ْ ِ‬
      ‫للرطب، والقاف لصالبتها لليابس؛ حذوا ملسموع األصوات عىل حمسوس األحداث(4).‬
                                                ‫ٍ‬
‫لكن ما يف القرآن الكريم من جتليات هلذه الظاهرة الصوتية أوسع بكثري مما ذكره ابن‬   ‫َّ‬
‫جني، فلقد فجر القرآن طاقات الصوت يف العربية إىل أقىص مدً ى، بحيث إننا نتخيل ـ بل‬
      ‫َّ‬                                                                  ‫َّ‬
                             ‫نكاد نرى ـ املشهد املعرب عنه إذا ما المست أسامعنا كلام ُته.‬
                                         ‫َ‬                      ‫َّ َ‬

                                    ‫(1) البيان يف روائع القرآن / متام حسان، مرجع سابق، ج1، ص 202.‬
                                      ‫(2) اخلصائص / ابن جنى، حتقيق حممد عىل النجار، ج2، ص251.‬
                                                                      ‫(3) املرجع السابق، ص351.‬
                                                                ‫(4) املرجع السابق، ص751، 851.‬
‫56‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




     ‫ومن أمثلة ذلك: التكرار لبعض األصوات بام يوحي بالتتابع، نحو قول اهلل تعاىل:‬
     ‫ﮋﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓﮊ (الشعراء)، أي: سقط بعضهم فوق بعض، وتكرار‬
                              ‫صويت الكاف والباء ( كب. كب ) يوحي هبذا السقوط املتكرر.‬
                                                                                 ‫َ َْ‬
     ‫ومثل ذلك قوله تعاىل: ﮋ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﮊ (الزلزلة) حيث دل تكرار‬
           ‫َّ‬
                                ‫صويت الزاي والالم عىل قوة االضطراب واالرجتاف.‬
     ‫ومن ذلك: التشديد بعد قلب التاء حر ًفا جمانسا ملا يليها، نحو قوله تعاىل: ﮋﮁ‬
                                    ‫ً‬
                                                                ‫ﮂﮃ ﮊ (البقرة: 27).‬
                                              ‫ُ‬                ‫ُ‬
     ‫األصل: تدارأتم، فقلبت التاء داال وأدغمت يف الدال التالية فنتج عن ذلك التشديد‬
                                                ‫الذي يدل عىل حدة التنازع والتشاحن.‬
             ‫ومثله قول اهلل جل ثناؤه: ﮋ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﮊ (األعراف:83 ).‬
                       ‫ُ رِّ‬                  ‫ُ‬                ‫ُ‬
     ‫أصل الفعل (تداركوا)، وقلبت التاء داال وأدغمت يف الدال، فلام سكنت جيء بـهمزة‬
     ‫الوصل، والتشديد يوحي هنا بتداعيهم يف النار متزامحني بغري نظام، بل إن اشتامل التشديد‬
      ‫َ َ َّ ْ‬       ‫ً‬
     ‫عىل سكون فحركة يدل عىل أن تزامحهم يف النار جعل بعضهم يعوق بعضا قبل أن َيرتدوا‬
                                   ‫فيها، فكأن النقطة التي تداعوا عندها كانت كعنق زجاجة.‬
     ‫ومن هذا أيضا " ا َّثاقلتم " يف قوله تعاىل: ﮋ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ‬
                                                    ‫ً‬
               ‫ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂﮊ(التوبة: 83).‬
     ‫وذلك فيام يوحيه التفخيم من اإلحساس باملبالغة يف احلدث أو الصفة، ومن ذلك قولـه‬
     ‫تعاىل: ﮋ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ‬
     ‫ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵﮊ‬
                                                                           ‫(فـاطر: 73).‬
     ‫فكأن ارتفاع الصوت بالرصاخ ومشاركتهم مجيعا فيه، وتكرار ذلك منهم ال يكفي أن‬
                                          ‫ً‬
              ‫ُ ِ‬
     ‫ُيعرب عنه بالفعل املجرد (يرصخون)، فجاءت تاء االفتعال لتدل عىل املبالغة، وقصدَ هلا أن‬
                                                                                     ‫َّ‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬        ‫66‬




‫َ ْ ُ‬
‫جتاور الصاد املطبقة فتتحول باملجاورة إىل التفخيم فتصبح طاء؛ ليكون يف تفخيمها فضل‬
                      ‫ً‬
                                                                          ‫ٍ‬
                                                                ‫مبالغة يف الفعل.‬
‫وقوله تعاىل: ﮋﯛ ﯜﮊ أبلغ من (يرصخون)؛ لإلشارة إىل أهنم يرصخون‬
                                        ‫(1)‬
                                           ‫رصاخا منكرا خارجا عن احلدرِّ املعتاد.‬
                                                                ‫ً‬     ‫ً‬
‫ومن ذلك ما حكاه السيوطي يف "اإلتقان" عن الفرق بني قوله تعاىل: ﮋﯔ ﯕ‬
‫ﯖ ﯗ ﮊ (البقرة: 971) ، وبني قول العرب "القتل َأ ْنفى للقتل"، حيث ذكر‬
                 ‫َ‬
                                                  ‫عرشين وجها للفرق بينهام، ومن ذلك:‬
                                                                          ‫ً‬
        ‫ُ ْ ْ َ‬
      ‫أن يف املثل توايل أسباب كثرية خفيفة، وهو السكون بعد احلركة، وذلك مستَكره.‬
                   ‫ُ‬
       ‫سالمة اآلية من تكرير قلقلة القاف املوجب للضغط والشدة وبعدها غ َّنة النون.‬
‫اشتامل اآلية عىل حروف متالئمة، ملا فيها من اخلروج من القاف إىل الصاد؛ إذ القاف من‬
‫حروف االستعالء واإلطباق، بخالف اخلروج من القاف إىل التاء التي هي حرف منخفض،‬
‫فهو غري مالئم للقاف، وكذا اخلروج من الصاد إىل اخلاء أحسن من اخلروج من الالم إىل‬
                                     ‫اهلمزة؛ ل ُبعد ما بني طرف اللسان وأقىص احلنك.‬
                                                                          ‫ْ‬
                                                    ‫ُ‬
‫سالمتها من لفظ (القتل) املشعر بالوحشية، بخالف لفظ (احلياة)، فإن الطباع أميل له‬
                                                                 ‫(2)‬
                                                                    ‫من لفظ (القتل)‬
                  ‫ومن ذلك أيضا قوله تعاىل: ﮋ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﮊ (النجم).‬
                                                      ‫ً‬
‫و(ضيزى) تعني: جائرة ظاملة، لكن لفظ (ضيزى) جاء هنا ليحقق غرضني مها: رعاية‬
‫الفاصلة التي غلبت فيها األلف املقصورة، والثاين: اإلحياء ـ بام يف الضاد من تفخيم ـ إىل أن‬
                                                       ‫اجلور يف هذه القسمة ال مزيد عليه.‬
        ‫وقوله تعاىل: ﮋ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱﮊ (البقرة:91).‬


                                 ‫(1) اإلتقان/ السيوطى، حتقيق: د. حممد متويل منصور، ج3، ص 372.‬
                                                      ‫(2) املرجع السابق، ص171: 471 بترصف.‬
‫76‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




     ‫والص رِّيب: النـزول الذي له وقع وتأثري، و ُيطلق عىل املطر والسحاب، وتنكريه لِـام أنه‬
          ‫َ‬                                  ‫َْ‬                                      ‫َّ‬
     ‫ُأريدَ به نوع شديدٌ هائل، كام أن الصاد املستعلية (املفخمة) والياء املشددة والباء الشديدة ـ‬
                                                                                  ‫ٌ‬         ‫ِ‬
                                                    ‫تدل عىل القوة والتدفق وشدة االنسكاب.‬
                                         ‫َّ‬
     ‫وكان الفارايب (ت 933 هـ) قد التفت إىل ما سامه بعض املحدثني " احلاسة املوسيقية"،‬
                  ‫َّ‬
     ‫وسامه هو "اهليئة الشعرية"، وكوهنا مركوزة يف اإلنسان منذ تكوينه، أو عىل حدّ قوله:‬‫َّ‬
                                                            ‫"مركوزة فيه من أول كونه(1)".‬
                      ‫َّ ً‬
     ‫وهي يف اللغة العربية ويف إحساس العريب أكثر ظهورا، حتى إن كثريا من الباحثني يصف‬
                                    ‫ً‬
     ‫(2)‬
        ‫لغتنا بأهنا لغة موسيقية، وأهنا انحدرت إلينا وقد اكتسبت هذه الصفة منذ أقدم نصوصها‬
     ‫وتلك اخلصيصة أكسبت سمع العريب قدرة عالية يف التمييز بني الفروق الصوتية الدقيقة،‬
        ‫فكان حسه مرهفا يسرتيح جلنس من الكالم حلسن وقعه، وينفر من آخر لِ ُن ُبو جرسه(3).‬
                   ‫رِّ‬                                         ‫ٍ‬          ‫ً‬     ‫ِ ُّ‬
     ‫ولقد بلغ القرآن الكريم الذروة يف التأثري يف سمع العريب ووجدانه، وذلك بعذوبة جرسه‬
       ‫َ ْ‬
                                       ‫ومجال إيقاعه ونغمه، وما لذلك من صلة بداللته.‬
          ‫ّ‬
     ‫إن اإلحياء الصويت يف القرآن ينهض به الصوت اللغوي وحده، مفردا كان أو مرك ًبا،‬
                      ‫ً‬                                                                  ‫ّ‬
                                   ‫َ ُ َ َ‬                ‫َّ‬
                             ‫فيصور املعنى ـ الذي يف السياق ـ بدقة، بحيث ال يسدُّ آخر مسدَّ ه.‬
                                                                                           ‫ّ‬
     ‫فمن األصوات املفردة (الصوائت) ‪ :Vowels‬ألف املدّ وياء املدّ ؛ إذ هلام إحياءان صوتيان‬
     ‫متغايران يستشعرمها السامع النابه املتأمل، أحدمها (صاعد) بألف املدّ ، واآلخر (هابط) بياء‬
                                                          ‫ّ‬
     ‫املدّ ، وكالمها وردا يف سياق واحد، هو قوله تعاىل: ﮋﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ‬
                                                                     ‫ﮯ ﮰ ﮱﮊ ( ق).‬
     ‫فعند الوقوف يف التالوة عىل لفظة ( َباسقات) ُتـمدُّ األلِف فيها ست حركات، وهو املدُّ‬
                        ‫َّ‬        ‫ُ‬      ‫َ‬      ‫َِ ٍ‬
     ‫العارض للسكون(4)؛ لِ ُتصور هذا االمتداد إىل علو يف ُبسوق النخلة وارتفاعها يف اجلو بتلك‬
              ‫ّ‬                              ‫ٍّ‬                  ‫َ رِّ َ‬

                     ‫(1) كتاب املوسيقى الكبري / الفارايب . - القاهرة : دار الكتاب للطباعة والنرش، ]د.ت [، ص07.‬
                       ‫(2) داللة األلفاظ / إبراهيم أنيس . - القاهرة : مطبعة جلنة البيان العريب ، 3691 م، ص591.‬
                                                                                           ‫(3) املرجع السابق.‬
     ‫(4) الرسالة الشافية ضمن ثالث رسائل يف إعجاز القرآن / اجلرجاين . ــــ القاهرة ، 8691م، ص 521. دالئل‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬                ‫86‬




‫الرشاقة اجلميلة، التي تنتهي يف أعالها بذلك السعف اجلميل املتهدّ ل عىل جوانب قمتها من‬
      ‫ّ‬
                                          ‫كل جهة، حتى إهنا لتبدو كالفتاة الفرعاء(1).‬
‫فإذا تال القارئ بعد ذلك لفظة (نضيد)، ووقف عىل الدال، استشعر السامع هبذا املدّ‬
                ‫َِ ٍ‬        ‫َ َُ‬
‫اهلابط (الياء) خالف ما استشعره بذلك املدرِّ الصاعد، الذي ق ْبله يف ( َباسقات)؛ إذ يستشعر‬
                                       ‫ُ رِّ‬      ‫َّ ْ ِ‬
‫بسمعه قبل برصه هذا التنضيد الذي يف الطلع، وقد غطي بغطائه الر ّباين اجلميل ذي الرائحة‬
‫الذكية العبقة، ومن إحياء األصوات املفردة يف تعبري القرآن: إحياء (اهلمزة)، وإحياء (اهلاء) يف‬
‫سياقيهام؛ إذ ورد كل منهام يف سياق مغاير ـ دالليا ـ لسياق اآلخر، وهذا يعود إىل تغاير صفة‬
                                             ‫ًّ‬
‫كل منهام من الناحية الصوتية، وإن كا َنا من خمرج واحد هو احلنجرة؛ إذ اهلمزة صوت شديد‬
                                                ‫ٍ‬           ‫ْ‬
‫انفجاري، بل هو أشدّ األصوات اللغوية يف العربية، عىل حني عدَّ ت اهلاء من األصوات‬
                          ‫ُ‬
                              ‫الرخوة واملهموسة الضعيفة، بل هي أضعف أصوات العربية.‬       ‫رِّ‬
‫فإذا تد َّبر َنا الكتاب املعجز املبني ـ القرآن الكريم ـ وجدنا اهلمزة فيه قد وردت يف سياق‬
                                                                            ‫ْ‬
‫يوحي بالشدة، متمثّال هبذا الرتكيب الفعيل املؤكد باملصدر يف قوله تعاىل: ﮋ ﮄ ﮅ ﮆ‬
                              ‫ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮊ ( مريم : 38).‬
‫ووجدنا (اهلاء) قد وردت يف سياق مغاير له، بل هو مضاد له دالليا من حيث اإلحياء؛ إذ‬
                       ‫ًّ‬       ‫ٌّ‬
‫وردت يف تصوير ما ُأمرت به مريم ابنة عمران ـ عليها السالم ـ (وهزي إليك). حني أتاها‬
‫الطلق، فضاقت بذلك ذرعا؛ إذ كيف ُيو َلدُ هلا ولدٌ وهي مل تتزوج َبعدُ ؟ فكان النداء الذي‬
                          ‫ْ‬                                      ‫ً‬                       ‫َّ ْ‬
‫سمعته مطمئِنًا هلا من ناحية، وآمرا إياها هبز جذع النخلة التي َأوت إليها تستظل و َتستَرت هبا‬
    ‫ُّ ْ ِ ُ‬                ‫َ ْ‬                 ‫ّ‬          ‫ً‬                      ‫ُ َ ْ‬
‫بعد أن أمرها أال حتزن من ناحية أخرى. وذلك بقوله تعاىل: ﮋ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ‬
 ‫ﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﮊ‬
                                               ‫ُ رِّ‬
‫فقال تعاىل: (هزرِّ ي) هنا، ومل يقل: (أزي)، كام قال يف آية إرسال الشياطني عىل الكافرين:‬
                                                                        ‫ُ‬
‫(تؤزُّ هم)، ومل يقل: (هتزهم)، وذلك للفارق الداليل بني السياقني: سياق الشدة والعنف،‬
                                                               ‫ُّ‬


                  ‫اإلعجاز / اجلرجاين؛ حتقيق حممد عبد املنعم خفاجي . ـــــ القاهرة : مكتبة القاهرة ، 0891م .‬
        ‫(1) القاموس املحيط / الفريوز آبادي . ــــ ط1 . ــــ بريوت : دار العلم للماليني ، 6891 م، مادة: فرع.‬
‫96‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




                                                         ‫َ ٍ‬                  ‫رِّ‬
     ‫وسياق اللني واحلنان، يف َتواز مع الفارق الصويت بني اهلمزة الشديدة املجهورة واهلاء‬
                                      ‫املهموسة. وهذا من رائع بيان القرآن ودالئل إعجازه.‬
              ‫ُ ْ ِ‬
     ‫وإذا كان إحياء (األلف) يف فواصل آيات مريم مجيال باع ًثا عىل التأمل الـمفيض إىل شكر‬
                      ‫ُّ‬
     ‫النعمة، فإن لأللف يف غري هذا السياق إحياء آخر؛ نحو قوله تعاىل: ﮋﮋ ﮌ ﮍ ﮎ‬
                                           ‫ً َ‬                                 ‫َّ‬
                                                                  ‫ﮏﮊ (القيامة: 33 )‬
                   ‫ٍ‬        ‫ِ ْ‬                       ‫ِْ‬
     ‫إذ نجدها يف هذا املوضع ُتشعر بالكرب واالستعالء، يف تصوير مش َية كافر من قريش،‬
                  ‫ِْ‬
     ‫غرتْه مظاهر الدنيا الفانية من مال وجاه وولد؛ فإيقاع اآلية مشعر بمشية الكرب لدى هذا‬  ‫َ َّ ُ‬
          ‫َّ‬                                                        ‫َ ِ ْ َ ُ ُّ‬
     ‫املرشك املتعايل، ولكن يمنا كثريا هنا هذه اللفظة التي وقعت فاصلة، وهي: (يتمطى)؛‬
                                                             ‫ً‬
                     ‫َّ‬                                                       ‫ً‬
     ‫إذ وردت المها ألفا، وهي الطاء الثانية يف أصل الكلمة؛ وأصلها: (يتمطط)، ولكن‬
      ‫ّ‬                                                                                ‫ُ‬
     ‫التعبري القرآين عدل عن الطاء التي يف آخر اللفظة إىل األلف بدال منها، ال ملجرد ا رِّتساق‬
                ‫ّ‬
                        ‫ََْ‬       ‫َ‬
     ‫حروف الروي ـ كام يف الشعر ـ فيها مع سائر الفواصل التي َتل ْتها، مثل (أوىل) و(سدَ ى)‬
             ‫ُ‬                                                                       ‫ّ‬
                                                                                 ‫َ َ َّ‬
                                                                         ‫و( ُيمنَى) و(فسوى)(1).‬
                                                                                          ‫ْ‬
                                            ‫ْ‬                          ‫ّ‬
     ‫إن هذا ملحظ شكيل ليس هو املراد هنا، وإن كان له قيمته الصوتية اإليقاعية املؤثرة‬       ‫َّ‬
                  ‫َ َّ ُ‬                               ‫َّ‬
     ‫يف نفس املتلقي، وإنام ورد لفظ (يتمطى) معدوال عن أصله الطائي (يتمطط) إىل األلف‬  ‫رِّ‬
                         ‫ً‬                                ‫ً‬                ‫َ َ ِ ٍّ‬
     ‫الواقعة حرف روي للفاصلة؛ إحياء بتبخرت صاحب هذه املشية، وإشعارا بام يف نفسه من‬
                           ‫َّ‬
     ‫الزهو والـخ َيالء الفارغني من بواعث احلق واخلري؛ إذ معنى (يتمطى) يف اللغة: يتبخرت،‬
                                                                     ‫ْ‬                  ‫ُ‬
               ‫َّ‬                                             ‫ّ‬                   ‫َّ ُ‬
     ‫وأصله: يتمطط، أي يتمدّ د؛ ألن املتبخرت يمدُّ خطاه. وقيل: هو من املطا، وهو الظهر؛ ألنه‬
                                                                             ‫يلويه عند سريه(2).‬
     ‫ويمنا هنا كيف رسم املدُّ الصويت باأللف هذه املشية املكروهة املنهي عنها، فإذا قرأنا‬
                      ‫ّ‬                                               ‫َ َ َ‬         ‫َ ُ ُّ‬
     ‫(يتمطى) بأداء صويت دقيق يف التجويد، فأعطينا الطاء الشديدة املطبقة املكررة بالتشديد‬ ‫َّ‬
     ‫ُ‬         ‫ُ‬
     ‫حقها من األداء الصويت، وأتبعناها مدّ ة األلف واقفني عليها، حاكت الصورة الصوتية‬
                                                          ‫َ‬
     ‫بذلك تلك املشية املمقوتة، مشية التلوي صعودا إىل األعىل ونزوال. وذلك من التصوير‬
                                               ‫ً‬      ‫رِّ‬

                                       ‫(1) حتفة اإلخوان يف بيان جتويد القرآن / حسن إبراهيم الشاعر، ص 31.‬
                                                                                                 ‫َ‬
                                             ‫(2) تُنظر فواصل اآليات: 53، 63، 73، 83 من سورة القيامة.‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬       ‫07‬




                                         ‫ً‬
‫الفني يف القرآن عن طريق اإلحياء الصويت، مضافا إىل الداللة اللغوية األصلية للفظة، التي‬
                                                             ‫تعرفها العرب يف حتاورها.‬
                         ‫ّ‬                  ‫ُ ِ‬
‫ومن اإلحياء الصويت اإلفرادي: املدّ باأللف الـموحي بالندم والتوجع النفيس، يف مثل‬
                                                             ‫ّ‬
‫قول الكافر: ﮋ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﮊ (الزمر: 65) يف يوم القيامة، وقد‬
            ‫ِ َّ َ ِ‬
‫وقف بني يدي ربه للحساب، وهذا مشعر صوتيا بتوجعه وندمه هبذين املدَّ ْين اللذ ْين اكتنفا‬
                                             ‫ّ‬  ‫ًّ‬
                             ‫ُْ َ‬                    ‫ًِ‬
‫التعبري، ومها مدُّ (يا) ومدُّ (تا)، مضاعفا إحساس املتلقي بندم امللقى املرير، فضال ع َّام يف‬
        ‫َ‬                               ‫رِّ‬
‫نداء احلرسة بحرف النداء (يا) من تشخيص استعاري للحرسة، حني جعلها ُتنَادى كام‬
          ‫َ‬
                                                   ‫ُينَادى العاقل، وهذا من بليغ بيان التنـزيل.‬
                                                                                        ‫َ‬
            ‫َ َّ َ‬
‫ومن اإلحياء الصويت بالشعور بالندم: ما حتدثه (هاء السكت) يف قول من فرط فيام ينبغي‬
‫عليه أداؤه إزاء ر رِّبه وأهله، قال تعاىل:ﮋ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵﯶ ﯷ ﮊ (احلاقة). فهذه اهلاء إذا‬
                                                                               ‫ََ َ‬
                   ‫وقف عليها القارئ أشبهت احلرسة يف انطالقها من صدر املتحرس لندمه.‬
                           ‫رِّ‬
‫وقد يكون اإلحياء الصويت يف تعبري القرآن مقطعيا وليس إفراد ًّيا، كالذي يف لفظة (دمدَ م)‬
  ‫َْ َ‬                                      ‫ًّ‬
‫روا‬  ‫يف قوله تعاىل: ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮊ (الشمس: 41)، حني عقروا ناقة اهلل التي ُأمِ‬
                    ‫َ‬
‫بأال يمسوها بسوء فغضب اهلل تعاىل عليهم، فدمر قريتهم، فجاء التعبري هبذا اللفظ: (دمدَ م)،‬
   ‫َْ َ‬                                         ‫َّ‬                                  ‫ُّ‬
‫بداللة مزدوجة، إحدامها (لغوية)، وهي األصلية، أو كام يسميها املعارصون: (مركزية) أو‬
                                  ‫ّ‬
 ‫(أساس)، والداللة األخرى (إحيائية)، وهي لون من الداللة الثانوية، َأحدَ َثها إيقاع اللفظة.‬
                           ‫ْ‬
‫وأما وصف هذه اللفظة (دمدَ م) بأهنا مقطعية، فألهنا ذات مقطعني متامثلني مها: (دم/‬
  ‫َْ‬                               ‫َّ‬                     ‫َْ‬                            ‫َّ‬
‫ّ ما يف اللفظة مكرر ْين، أشعر جرسهام املدوي بام يشبه القصف: (دمدَ م). وهذه‬
         ‫َْ َ‬                         ‫رِّ‬ ‫َ ْ ُ‬         ‫َّ َ ِ‬            ‫َ‬ ‫دم)، فلام ا ْلتَأَ‬
                                                                                            ‫َْ‬
‫الداللة اإلضافية صعدَ ت استشعار الشدَّ ة والغضب يف تصوير هذه العقوبة اإلهلية العادلة،‬
                                                                  ‫َ َّ‬
‫بمن مل َيرع هلل حرمتَه، ومن التناسب بني إحياء الصوت والداللة املقصودة للكلمة قوله‬
                                                                     ‫ُ َْ‬         ‫ْ َ‬
‫تعاىل: ﮋﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﮊ (اإلنسان: 81)، إذ توحي لفظة السلسبيل بالسالسة ويرس‬
                           ‫َ َِ ٍ‬
      ‫االستساغة، وذلك ملا بني اللفظني (سلسبيل/ سالسة) من رشكة يف بعض احلروف.‬
‫هذا يف مقابل اإلحياء يف جهة الضد للمعنى السابق، كام يف قوله تعاىل: ﮋﯝ ﯞ‬
‫ﯟﮊ (النبأ: 52)؛ إذ إن مادة (غسق) يف القرآن منها: الغسق، والغاسق، والغساق،‬
   ‫َّ‬
‫17‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




     ‫وتوحي بأن القسط املشرتك بني هذه املشتقات هو: الداللة عىل أمور كرية؛ فالغسق:‬
                ‫ْ َ‬    ‫َ ِ ٌ‬
     ‫الظلمة، والغاسق: الليل الشديد الظلمة، والغساق: شء كريه ال ُيرشب، وفرسوه‬
        ‫َّ‬                            ‫َّ‬
                                                                          ‫ْ َ‬
                    ‫بالصديد، و ُتس َتفاد هذه الداللة لغو ًّيا من إحياء الغني والقاف هنا ( ).‬
                      ‫(1)‬


     ‫ومثله قوله تعاىل: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﮊ(املطففني: 7)، وقوله تعاىل:‬
                                      ‫ﮋﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﮊ (الغاشية: 6)‬
     ‫ٍّ‬   ‫ُّ‬                                ‫َ ِ ٍ‬
     ‫والرضيع نبات شوكي، وإحياء لفظ (رضيع ) يف الطعام يفيد ذال يؤدي إىل ترضع كل‬
     ‫منهم وسؤال اهلل العفو عن ذلك، كام أن الضاد املفخمة توحى بام فيه من كزازة، كذلك فإن‬
                                                                  ‫َ‬
                            ‫العني احللقية كأنام توحى بإظهار الكزازة وتأثريها يف احللق( ).‬
                               ‫(2)‬


     ‫ﮋ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝﮊ.‬              ‫يقابله يف املعنى عىل اجلهة األخرى قوله تعاىل:‬
     ‫وكذا قوله تعاىل: ﮋ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﮊ. ومن هذا القبيل قول اهلل‬
                                 ‫تعاىل: ﮋﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈﰉ ﰊ ﰋ ﰌﮊ‬
     ‫حيث عرب عن هذا احلدث بلفظ مغاير للفظ (الرضب)، الذي استعمله القرآن يف موضع‬
                                                                          ‫ُ رِّ‬
     ‫ُأريد به تأديب الزوجة إذا نشزت عىل زوجها برضب غري مربح، بعد مرحلتي الوعظ‬
                          ‫ُ َ رِّ‬
                                                     ‫َ َّ‬          ‫ْ ِ َ‬
               ‫واهلجر، واس ُتعمل هنا الفعل (صك)، وهو اللفظ الذي انفرد به هذا املوضع.‬

                                                    ‫ًّ‬             ‫َ َّ ْ‬
     ‫فإذا حللنا الفعل (صكت) حتليال صوتيا مع ما حلقه من تاء دا َّلة عىل التأنيث، وجدناه‬
                                                                               ‫َّ‬
                                                                 ‫ِ‬
     ‫جيمع بني الشدَّ ة والتفخيم؛ إِذ الصاد من أصوات اإلطباق، واملطبق مفخم، والكاف والتاء‬
                      ‫َّ‬
     ‫صوتان شديدان، وزاد من شدَّ ة الكاف تضعيفها. وهبذا أدت هذه اللفظة هبذه األصوات‬
                                    ‫َّ ْ‬
           ‫رِّ‬
     ‫صورة اللطمة الشديدة من جانبها الصويت اإلحيائي، فضال عن جانبها اللغوي الدال عىل‬
                                         ‫رِّ‬
       ‫الرضب الشديد؛ وبذلك ضاعف اإلحياء الصويت للصك من داللته عىل الرضب الشديد‬




                                        ‫(1) البيان يف روائع القرآن / متام حسان، مرجع سابق، ج1، ص802: 012.‬
      ‫(2) املفارقة القرآنية: دراسة يف بنية الداللة / حممد العبد. ــــ ط1 . ــــ القاهرة: مكتبة اآلداب، 6002م، ص09.‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬    ‫27‬




          ‫امل�ساألة اخلام�سة: الإيحاء ال�سوتي للرتاكيب‬
                                      ‫ٍ َّ‬
‫وقد ينهض الرتكيب الصويت بإحياء معني منبعث من خصائصه يف صورته املركبة، من‬
‫ذلك قول اهلل تعاىل: ﮋ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ‬
                         ‫ﯚ ﯛﮊ (فصلت)‬
‫وصف الدعاء يف هذه اآلية بأنه (عريض)، ولعل إيثار العرض عىل الطول هو األقوى‬         ‫ُ‬
                                                                                ‫ً‬
‫داللة عىل أ َّنه دعاء االسترصاخ واالستغاثة امللهوفة... وذكر العرض يومئ إىل سعة الدعاء‬
                      ‫ِ‬
‫التي ُتومئ إىل حركة جاهدة من أعضاء النطق، وهذه احلركة ُتومئ بدورها إىل أن ذلك‬‫ِ‬
‫اإلنسان قد امتألت جوانبه بذلك الدعاء. وقد ُأوثِرت كلمة "دعاء" عىل مرادفها "نداء"؛‬
‫ألن الدعاء ـ رفع الصوت وخفضه ـ َأدل عىل حال اللهفة واملداومة عىل الطلب وفقدان‬
                                             ‫َ ُّ‬
                                         ‫السكينة، وهي دالالت يفتقدها النداء املجرد.‬
‫ونالحظ هنا أن البنية الصوتية للموصوف "دعاء" تأتلف مع صفته "عريض"؛ وذلك أن‬
‫األلف يف "دعاء"، سوف يصل صوهتا، وتتمكن مدهتا؛ لوقوع اهلمزة بعدها. وإنام متكن املد‬
‫يف األلف مع اهلمز، ألن اهلمزة ـ كام يقول ابن جني ـ حرف َن َأى منشؤه، وتراخى خمرجه، فإذا‬
‫نطقنا باأللف (وجيري ذلك عىل الواو والياء) قبل اهلمزة، ثم متادينا باأللف نحوها طالت‬
                                                          ‫َّ‬
‫األلف وشاعت يف الصوت، فوفت هلا، وزادت يف بياهنا ومكاهنا، وليس كذلك إذا وقع‬
‫بعد األلف ـ وحروف املد األخرى ـ غري اهلمزة وغري املشدد. ولذلك كان ابن جني يصف‬
‫حروف املد إذا تالهن اهلمز واحلرف املشدَّ د، بأهنن ل رِّينات، ناعامت، وافيات، مستطيالت(1).‬
‫وإذا كان األمر كذلك، رسخت األلف يف املد ومتادى الصوت هبا يف املوصوف، وكأن‬
                 ‫املوصوف بام فيه من وفاء الصوت ومتكن املد حيكي معنى الصفة ويطابقها!‬
‫العرض ـ إذن ـ يومئ إىل الطول، وال عكس. والعرض فيه التجسيم لصورة الدعاء‬
‫املتسع. والعرض أقوى تعبريا عن االمتالء بالدعاء. ومن ثم ال يكفينا أن نتوقف عند‬
                                                    ‫ً‬
‫حتديد داللة "عريض” يف اآلية الكريمة بأهنا الكثري كام فعل الشوكاين. إن كلمة (كثري) التي‬

                                             ‫(1) اخلصائص / ابن جني، مرجع سابق، ج2، ص521.‬
‫37‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




     ‫ذكرها الشوكاين تظل قارصة عن محل الدالالت واإلحياءات واملعاين األسلوبية اخلصبة‬
                                                  ‫ً‬
     ‫التي حتملها كلمة "عريض” قصورا ملحوظا للغاية. لقد حاول الشوكاين تفسري قوله تعاىل:‬
                                                         ‫ً‬
     ‫ﮋﯘ ﯙ ﯚ ﮊ يف ضوء ختريج املعنى يف لغة العرب؛ قال: "والعرب تستعمل‬
                                                             ‫ً‬
     ‫الطول والعرض يف الكثرة جمازا. يقال: أطال فالن يف الكالم، وأعرض يف الدعاء، إذا أكثر.‬
     ‫واملعنى: إنه إذا مسه الرش، ترضع إىل اهلل واستغاث به، أن يكشف عنه ما نزل به واستكثر‬
     ‫من ذلك (1) ".هذا إىل جانب التآزر اخلالق بني الصورة التي ترسمها املفارقة والصوت، يف‬
                           ‫ً‬
     ‫تلك اآلية. ونعني بذلك عالقة تكرار صوت العني تكرارا ملحوظا (مخس مرات) بصورة‬
                                  ‫ً‬
                                      ‫ً‬               ‫ً‬
     ‫املعرض إذا دعا دعاء عريضا. فالعني ـ خمرجا ـ صوت حلقي منخفض خلفي، والعني ـ‬
                                                           ‫ً‬
                                         ‫صفة ـ صوت جهوري استمراري خشن.‬   ‫ً‬
     ‫ولعل متتع العني هبذه الصفات ـ من قوة إسامع، واستمرارية، وخشونة.. الخ ـ مما جيعلها‬
         ‫أكثر الفونيامت مواءمة هلذا الدعاء الصادر يف تلك احلال بخاصة؛ حال الشدة والرض!‬
     ‫ولعلنا ندرك يف السياق الصويت لآلية كلها ملمحا صوت ًيا آخر؛ هو تردد األصوات‬
                                    ‫ً‬
     ‫األنفية، واألصوات األنفية أصوات رنانة، واألصوات الرنانةهي التي تنتج بشكل‬
     ‫التجويف للوترين الصوتيني الذي جيعل اجلهر التلقائي ممكنًا. ولعل مثل هذه األصوات‬
      ‫الرنانة ذات اتصال باإلحياء بجو هذا الدعاء، بام قد يداخله عند مس الرض من أنني وندم.‬
                                                          ‫رِّ‬
     ‫ونالحظ يف السياق الصويت الوظيفي لآلية ذاهتا وظيفة أخرى تشغلها حروف املد، ال‬
     ‫سيام الطويلة، التي تكررت يف جمموعها تسع مرات، وتلتقي حروف املد صوتيا ـ من حيث‬
                 ‫ًّ‬
     ‫طول مدة االستغراق الزمني للنطق هبا ـ هبذا الرضب من الدعاء العريض؛ حيثام يستلزم‬
     ‫العرض هنا الطول!ويف اخلطاب القرآين مواضع أخرى وردت فيها مفردات عينية، تصور‬
     ‫حاالت فزع وهلع. ومن ذلك قوله تعاىل: ﮋ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ‬
                                 ‫ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮊ (املعارج).‬
     ‫وإذا كانت العني يف هذه اآليات ترتبط قيمتها التعبريية بمقامات جمردة يغلب فيها‬

           ‫(1) فتح القدير / الشوكانـي دمشق : دار الفكر للطباعة والنرش والتوزيع، ] د. ت [، ج4، ص225، 325.‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬              ‫47‬




          ‫ً‬
‫االضطراب والشدة، فإننا نالحظ هذه القيمة ذاهتا يف مقامات حمسوسة أيضا. ومن ذلك‬
         ‫لفظ "الدَّ ع" يف قوله تعاىل عن املكذبني: ﮋ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳﮊ‬
‫والدع: دفع يف الظهر بعنف. ولعله وقع هنا؛ ألنه أقدر من غريه عىل اإلحياء بام خيرج من‬
‫املدفوع من صوت غري إرادي، فيه عني ساكنة هكذا: أ ع، وهو يف جرسه ـ كام يقول سيد‬
                                                ‫قطب ـ أقرب ما يكون إىل جرس الدع(1).‬

‫ومن ذلك أيضا لفظ "البلع" و"اإلقالع" يف قوله تعاىل: ﮋ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ‬
                                                 ‫ً‬
‫ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻﮊ‬
 ‫ً‬
‫بيد أننا إذا عدنا إىل آية (فصلت) السابقة، الحظنا تردد حركة الفتحة بخاصة ترددا ملحوظا‬
        ‫ُّ ً‬
                                                 ‫ٍ‬
     ‫(بلغ اثنني وعرشين مرة، منها ثامن للفتحة الطويلة، وأربع عرشة للفتحة القصرية).‬
‫ولعل من الطريف هنا أن نشري إىل أن صفة االتساع التي تتصف هبا الفتحة تتصف هبا‬
                                                                 ‫ً‬
‫أصوات احللق أيضا، ويرجع ذلك إىل أن "كل أصوات احللق بعد صدورها من خمرجها‬
‫احللقي حتتاج إىل اتساع يف جمراها بالفم، فليس هناك ما يعوق هذا املجرى يف زوايا الفم،‬
                   ‫وهلذا ناسبها من أصوات اللني أكثرها اتساعا، وتلك هي الفتحة (2) .‬
                                          ‫ً‬
‫وإذا كانت الفتحة تتصف باالتساع، فإن املدى الزمني هلذا االتساع مع األلف التي‬
‫تكررت سبع مرات سوف يصري أطول. إن األلف ـ بام فيها من مد الصوت واإلبعاد فيه ـ‬
  ‫ً‬                                         ‫ً‬     ‫ً‬
‫قد ارتبطت هبذا الدعاء العريض ارتباطا وثيقا، ولعل األلف أشد احلركات الطويلة ارتباطا‬
‫وحكاية لطبيعة مثل هذا الدعاء، إهنا ـ فيام يبدو ـ أحق من أختيها: الواو والياء؛ ألن األلف‬
                 ‫(3)‬
                    ‫ـ كام يقول ابن جني ـ أمدّ هن صو ًتا وأنداهن، وأشدّ هن إبعادا وأنآهن‬
                             ‫ً‬
 ‫ٍ‬
‫لقد هيأت هذه املادة الصوتية واللفظية لكلمة "دعاء” رسم صورة ساخرة إلنسان اله،‬
                                                                     ‫ٍ‬    ‫ُْ ِ ٍ‬
‫معرض، ناء بجانبه، مطمئن إىل نعيم وافاه، قد شغله وأنساه، كام مكنتها من رسم صورة‬
                   ‫(4)‬
                      ‫أخرى إلنسان هلع فزع، قد انقلب حاله، فانخرط يف دعاء عريض‬
                                                          ‫ٍ ٍ‬

                                             ‫(1) التصوير الفني يف القرآن / سيد قطب، مرجع سابق، ص18.‬
 ‫(2)() يف اللهجات العربية / إبراهيم أنيس . ـــ ط4 . ــ القاهرة: مكتبة األنجلو املرصية، ط4، 3791م، ص071.‬
                                                   ‫(3) اخلصائص / ابن جني، مرجع سابق، ج3، ص551.‬
                       ‫(4) املفارقة القرآنية: دراسة يف بنية الداللة / حممد العبد، مرجع سابق، ص 651: 261.‬
‫57‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




               ‫امل�ساألة ال�ساد�سة: التنا�سب والتنا�سق بني نوع‬
                             ‫احلركة واملعنى‬
     ‫التناسب والتناسق بني احلركة ( فتحة وكرسة وضمة ) ومعنى الكلمة يف سياقها أمر يثري‬
           ‫ْ‬
                                             ‫االنتباه أمام هذه العظمة يف لغة القرآن الكريم.‬
     ‫ومن ذلك قول اهلل تعاىل: ﮋ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣﯤ ﯥ ﯦ ﯧ‬
                                           ‫ﯨ ﯩ ﯪ ﯫﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﮊ (فاطر).‬
     ‫بتأمل حركة الكاف يف كلمة ( ممسك ) يف اآلية نجد أن السكون يف الثانية موافق ملعنى‬
     ‫اإلمساك؛ ملا بـها من إغالق وعدم حركة، يف حني أن األوىل مفتوحة وهي مناسبة ملعنى قول‬
                                                                     ‫اهلل تعاىل ﮋﯜﮊ .‬
     ‫ويمكن مالحظة هذه الظاهرة يف آيات أخرى نحو قول اهلل تعاىل: ﮋﭖ ﭗ ﭘ‬
                                               ‫ﭙ ﭚ ﮊ (الفاحتة).‬
     ‫ُ‬
     ‫لو كانت اجلملة من مقول القول لكان مقتضاها: احلمدَ بفتح الدال عىل تقدير: أقول‬
                                                                       ‫ُ ِ َ‬
            ‫احلمدَ هلل، فلامذا عدل عن النصب إىل الرفع (احلمدُ ) عىل تقدير: قويل: احلمدُ هلل؟!‬
         ‫ْ‬                                                                    ‫ُ ِ َ‬
     ‫اجلواب: عدل عن النصب إىل الرفع للداللة عىل أن احلمد ثابت هلل تعاىل أزال، وإن مل‬
       ‫ً‬                                         ‫َ َ ُ‬                       ‫َِ‬
     ‫حيمده أحد؛ فقد محدَ نفسه بنفسه قبل أن حيْمدَ ه اخللق، وعليه فاجلملة خربية ال إنشائية لفظا‬
                                                      ‫ومعنًى. وهو َأوىل األقوال يف هذه اجلملة.‬
                                                                                ‫َْ‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬       ‫67‬




         ‫امل�ساألة ال�سابعة: عولـمة ال�سوت وعاملية النغم‬
                        ‫القراآين اخلالد‬

                                                                     ‫مفهوم العالمية:‬
‫ُيقصدَ بالعاملية: سعة االنتشار عرب الزمان واملكان، والعاملية سمة مميزة للفنون الرفيعة،‬
                                                                                  ‫ْ‬
‫فقد أمجع النقاد ومؤرخو الفن عىل أن الفن الرفيع ينبغي أن تتوفر فيه صفتان مها: العاملية‬
                                                          ‫رِّ‬      ‫رِّ‬
‫والدَّ وام، و ُيرمز إليهام باحلرفني األو َلني من هاتني الكلمتني: ‪ Universal‬أي عاملي،‬
                                                ‫َّ ْ‬
‫‪ Permanent‬أي دائم، ف ُيقال: إن الفن الرفيع (‪ ،)U.P‬حيث تشري صفة العاملية ‪Universal‬‬
‫إىل االنتشار عرب املكان، فالفن العظيم ال وطن له، وتشري صفة الدوام إىل بقاء الفن الرفيع‬
                                                                       ‫عىل مدى العصور.‬


                                                                     ‫مفهوم العولمة:‬
      ‫ُّ‬
‫أما العوملة "‪ "Glabalism‬فتعني: تنميط الثقافات املتنوعة وقرصها عىل التشكل يف‬          ‫َّ‬
                                                                                ‫َ‬
‫قوالب ُيقال إهنا عاملية، واحلقيقة أهنا القوالب واألنامط الثقافية الغربية واألمريكية خاصة،‬
‫بحيث متثل الثقافة األمريكية املحور والتيار الرئيس الذي تدور من حوله ثقافات كل‬
  ‫الشعوب وحتتذيه مثاال َأعىل يف العلم واإلبداع وغري ذلك من أشكال املامرسة اإلنسانية.‬
                                                             ‫َْ‬
‫وهنا يكمن الفرق بني العاملية والعوملة، فالعاملية ُتستَمدُّ من القيم التي حيملها اإلبداع، بام‬
                                      ‫ْ َ‬
                                                                                 ‫َّ‬
‫ي رِّيئ له أن يتخطى حواجز الزمان واملكان، و ُيصغي إليه البرش يف كافة العصور والبقاع.. بينام‬
‫ُتفرض العوملة قرسا؛ خضوعا للثقافة املهيمنة بام روجت له من نظريات املركز واألطراف،‬
                                     ‫َّ َ ْ‬                         ‫ً‬         ‫ً‬             ‫َْ‬
                                                                                ‫املحور واهلامش.‬
‫77‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




                                                                             ‫عولمة الصوت:‬
     ‫سعى دعاة العوملة إىل حتويل الصوت إىل سلعة يتم تداوهلا عرب وسائط العوملة االقتصادية‬
     ‫والتكنولوجية كرشائط الكاسيت والفيديو واإلذاعة والتليفزيون وبرامج الكمبيوتر وشبكاته،‬
     ‫بحيث مل تعد فنون الصوت ـ كاملوسيقى والغناء ـ فنو ًنا تؤثر يف العاطفة اإلنسانية املشرتكة‬
                          ‫َ‬
     ‫وتلمس الروح اإلنسانية بام حتمله من قيم مجالية ووجدانية، بل جمرد سلعة ُتقدَّ م ملن يدفع الثمن.‬
     ‫وراحت عمليات العوملة تنتج فنو ًنا موسيقية وغنائية ليس فيها شء من اجلامل أو‬
                     ‫ٌ‬
     ‫اإلبداع، وإنامهي ضجيج صاخب يصدع الرؤوس، وإيقاعات فجة تتاميل معها األجساد‬
                                                                   ‫َُ‬
     ‫حتى تسقط منهكة القوى سقيمة املشاعر، فكانت تلك األساليب املوسيقية الغربية، والغناء‬
                                                                                     ‫ُ‬
          ‫املخ َّنث عىل طريقة مايكل جاكسون وغريه من نجوم هذا اللون من الغناء واملوسيقى.‬
     ‫كام قامت عمليات عوملة الصوت باجتذاب بعض املوسيقيني واملغنيني من بالد العامل‬
     ‫الثالث، وراحت تروج هلم بكل أشكال الدعاية، وتروج ملوسيقاهم بزعم البحث عن‬
                                     ‫رِّ‬                                ‫رِّ‬
                 ‫ُ ِ‬
     ‫األصالة والعنرص الروحي يف املوسيقى والغناء، عىل نحو ما فعلوا مع امل ْنشد الصويف‬
          ‫َ‬
     ‫الباكستاين "نرصت فتح عىل خان"، الذي اشتهر عامليا بـ "فن القوايل"، أي: املوسيقى‬
                         ‫َّ‬              ‫ًّ‬
                                                                     ‫َُ‬
     ‫واإلنشاد الصويف، واملغنرِّي واملوسيقي السنغايل "يوسو ندور"، الذي مل يمتثل لرشوط‬
             ‫ِْ َ‬
     ‫رشكات اإلنتاج املوسيقى التي كانت ترغب يف حتويل أصالته الفنية إىل جمرد حلية شكلية‬
       ‫َّ‬
     ‫تذوب يف تيار املوسيقى الغربية؛ ولذلك أسقط اسمه من تلك األلبومات املوسيقية التي‬
                                                                        ‫ِْ‬
                                     ‫وصفها النقاد بأهنا ُممعنة يف الطابع الغريب أكثر من الالزم.‬
     ‫يف هذا االجتاه نحو عوملة الصوت ادعت رشكات اإلنتاج أهنا تبحث عن األصالة والتنوع‬
                                                        ‫َّ‬
     ‫املوسيقى، واخرتعت مصطلح "املوسيقى العاملية" وأطلقته عىل ألوان املوسيقى التي ال‬
     ‫يعرفها اجلمهور الغريب مثل: التانجو (من األرجنتني وأورجواي)، والروك والبوب (من‬
     ‫الربازيل )، والنورتينو (موسيقى الشامل من املكسيك )، إىل املوسيقى الشعبية األندلسية‬
                                                                   ‫ُ َّ‬
     ‫ذات األصول العربية املسامة "موسيقى لوس ديل ريو"، وهي مجلة إسبانية تعني: أولئك‬
     ‫الذين من النهر، إشارة إىل هنر جود الكوفري ـ مأخوذ من العربية: الوادي الكبري ـ، وقد‬
     ‫اشتهر ف َّنانو هذه املوسيقى الشعبية األندلسية باسم "ملوك املاكارينا" نسبة إىل أشهر أغنياهتم‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬            ‫87‬




                                                                                   ‫ُ‬
‫املسامة "ماكارينا" التي كانت مثارا جلنون الشباب يف الغرب وكثري من بالد العامل األخرى؛‬
                                                       ‫ً‬
    ‫نتيجة للدعاية الضخمة التي قام هبا م ْنتِجو الكاسيت، هبدف ج ْني أرباح وفرية ((1)).‬
                           ‫َ‬                      ‫ُ‬
‫إذن مل تعد املوسيقى ـ يف إطار العوملة ـ حتتفي بالقيم الفنية واجلاملية، وإنامهي ُتسوق كل‬
       ‫َ رِّ‬
                                                        ‫َّ‬
‫ألوان فنون الصوت، وختلط الغث بالسمني، وتضع أسطوانات بيتهوفن وباخ وموزار إىل‬
               ‫جانب أسطوانات مايكل جاكسون وموسيقى الراي اجلزائرية...... إلخ.‬
                              ‫اإن الهدف الوا�صح يف عمليات عوملة ال�صوت اأمران:‬
                                                                          ‫الأول: ج ْني األرباح.‬
                                                                                       ‫َ‬
‫الثاين: تنميط األشكال املوسيقية والغنائية يف العامل كله وإخضاعها للقوالب املوسيقية‬
‫الغربية؛ إلرضاء ذوق اجلمهور الغريب، وإبقاء سيادة األشكال املوسيقية الغربية دون غريها‬
                        ‫من ألوان املوسيقى وفنون الصوت يف البقاع األخرى من العامل.‬
‫وإذا أردنا أن نفهم العالقة بني املوسيقى العاملية (املزعومة) وبني العوملة، فلن يتأتَّى لنا‬
‫ذلك إال بالبحث عن األهداف االقتصادية والثقافية واالجتامعية الكامنة وراء ذلك اإلنتاج‬
                                                            ‫الضخم لفنون الصوت املعو َملة.‬
                                                                  ‫َُ ْ‬
‫فأما من الناحية االقتصادية: فنجد أن 09% من إمجايل املبيعات من ألبومات األغاين‬‫َّ‬
‫واملوسيقى يف العامل كله (خالل عام 4991) متلكه ست مؤسسات جتارية دولية هي:‬
‫فيليبس، وسوين، وماتسوشيتا، وثورن إي. إم. آي، وبريتلزمان، وتايم وورنر؛ ولذا متيزت‬
    ‫َّ‬
‫صناعة املوسيقى العاملية باهليمنة االقتصادية ملؤسسات جتارية من أمريكا وأوروبا ورشق‬
                                                    ‫آسيا، وهي مراكز صناعة العوملة.‬
‫وأما من الناحية الثقافية: فإن الثقافة املهيمنة ـ أو التي ُيراد هلا اهليمنة ـ هي الثقافة الغربية،‬
                                                                                             ‫َّ‬
‫وخاصة األمريكية وما يدور يف فلك التبعية هلذه الثقافة؛ ولذلك ال تؤخذ فنون الصوت‬
                                                    ‫َّ‬
                                         ‫ٍ‬                                   ‫ِ‬
‫غري الغربية مأخذ اجلدرِّ بوصفها فنو ًنا رفيعة وأدوات للتعبري عن أنامط ثقافية خمتلفة، بل‬

‫(1)(1) سوسيولوجيا الفن / ديفيد إنجليز ، جون هجسون ؛ ترمجة ليىل املوسوي ؛ مراجعة حممد اجلوهري . ـــ‬
                      ‫الكويت : املجلس الوطني للثقافة والعلوم ؛ 7002م . ــــ (عامل املعرفة ؛ 143)، ص143.‬
‫97‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




                              ‫ً‬                              ‫ْ‬           ‫ِ ً‬
     ‫تُدَ جن و ُتتخذ كحىل شكلية َتزدان هبا املوسيقى الغربية؛ إرضاء لنزعة اجلمهور الغريب إىل‬
                                                                                        ‫َّ‬
                           ‫الغرائبية والروحانية، واجتذا ًبا للجاليات األجنبية يف بالد الغرب.‬
     ‫وأما من الناحية االجتامعية: فهناك حالة من النفاق االجتامعي يف الغرب، إذ جيتذب‬
                                                                               ‫َّ‬
     ‫األلوان املوسيقية والغنائية من خمتلف الثقافات، والغرب نفسه هو الذي يقمع تلك‬
     ‫الشعوب ويامرس عليها كافة صور اهليمنة والتجويع واحلرمان، بل وصياغة مصائر‬
                                                                      ‫تلك الشعوب.‬
                                                                  ‫ُ‬        ‫ََ‬
     ‫ولعوملة الصوت كهنَتها من الك َّتاب والصحفيني ومقدرِّ مي الربامج اإلذاعية والتليفزيونية‬
                                            ‫ُ‬
                                                              ‫ُ رِّ‬
     ‫وأصحاب رشكات اإلنتاج، وخمططي الربامج الثقافية، كل هذا يتآزر معا لتكوين ثقافة‬
                      ‫ً‬
      ‫صوتية عاملية، يتم إنتاجها يف املركز "الغرب"، وتصديرها إىل األطراف "سائر بالد العامل".‬
     ‫وعىل الرغم من كل هذه السلبيات الناجتة عن عمليات العوملة لفنون الصوت، فإن هلا‬
     ‫بعض اإلجيابيات املتمثلة يف تعريف الغرب ببعض من أشكال الفنون الصوتية يف الثقافات‬
                                                                ‫ً‬        ‫ُ َّ‬
     ‫األخرى املهمشة، وأيضا إلقاء بعض الضوء عىل تلك الثقافات وما هلا من خصوصية يف‬
                                                                  ‫جمال اإلبداع الصويت.‬
                                                ‫رِّ‬                     ‫ْ ِ‬
     ‫ولكن ما ُيضعف هذه اإلجيابيات ويعظم من سلبيات عوملة الصوت ـ أهنا تقوم عىل‬
     ‫األهداف االقتصادية، وبالتايل استبعاد العنارص اجلاملية والفنية، واألهداف الثقافية‬
     ‫واالجتامعية التي كرست جهدها يف تنميط الثقافات األخرى، والقضاء عىل اخلصوصية‬
                                                                     ‫َّ‬
     ‫الثقافية واهلوية القومية والشخصية االجتامعية للشعوب األخرى حلساب حضارة الغرب‬
                                               ‫وهيمنته بقيادة الواليات املتحدة األمريكية.‬


                                                                        ‫عالمية الصوت:‬
     ‫اإلبداع العظيم يفرض نفسه يف كل زمان ومكان، تلك حقيقة العاملية عرب تاريخ اإلنسان.‬
                                       ‫َُ‬
     ‫وعىل الرغم من كل ممارسات اهليمنة التي قامت هبا قوى العوملة، فإهنا مل تستطع إخضاع‬
     ‫اإلبداع الصويت للحضارات األخرى، وسنرضب لذلك مثال بخلود الصوت القرآين‬
                                              ‫وعظمة أدائه وعمق تأثريه يف القلوب واملشاعر.‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬          ‫08‬




‫يقول رسول اهلل صىل اهلل عليه وسلم يف وصف قراءة الصحايب اجلليل عبد اهلل بن‬
‫مسعود ريض اهلل عنه: "من َأحب أن يقرأ القرآن غضا طر ًّيا كام ُأنزل عىل فليقرأه عىل‬
                                   ‫ًّ‬                ‫َ ْ َ َّ‬
                                                                ‫(1)‬
                                                                   ‫قراءة ابن ُأم عبد "‬
                                                                         ‫رِّ‬
‫وال تزال هاتان الصفتان: الغضاضة والطراوة، التي تعني عذوبة أنغامه، وأخذها‬
‫بمجامع القلوب، ودوام هذه العذوبة وذلك التأثري.. ال تزال هذه الصفة اخلالدة لألداء‬
‫القرآين العظيم باقية وستظل باقية إىل أن يرث اهلل األرض ومن عليها، فها نحن أوالء‬
‫نستمع إىل كلامت القرآن ونغامته فنهتز وتنتفض قلوبنا من األعامق، ونسبح يف فضاء روحاين‬
‫نوارين ونحن نصغي لتالوة املشايخ: حممد رفعت أو حممود خليل احلرصي أو حممد صديق‬
   ‫ُّ‬
‫املنشاوي أو مصطفى إسامعيل.... وغريهم ممن وهبهم اهلل عذوبة الصوت، وكان هلم متكن‬
                                                     ‫من فن التجويد واألداء القرآين.‬
‫وقد ظهر فيام تقدم من مسائل تفرد اخلصائص الصوتية للقرآن الكريم، وهذا قليل‬
                                              ‫ُّ‬
‫من كثري عن القيم الصوتية واإلبداع الصويت للقرآن الكريم وطرائق أدائه، التي تعرب عن‬
     ‫رِّ‬
‫التميز واخلصوصية واإلعجاز الصويت للقرآن الكريم، وخلود الصوت القرآين يف آفاق‬   ‫ُّ‬
                                                                   ‫الزمان واملكان.‬
               ‫ًُ‬
‫ولعل ما قدَّ مناه مقنعا للفارق اهلائل بني عوملة الصوت املفروضة بقوى خارجية ال‬
                                                                    ‫ً‬              ‫َّ‬
‫حتكمها قيم مجالية وإبداعية، وبني عاملية الصوت املستمدة ممَّا حيمله من قيم مجالية ووجدانية‬
            ‫َّ‬
‫وإنسانية فريدة، وما يتميز به من قدرة عىل التأثري العميق يف القلوب واملشاعر دون إغفالٍ‬
                                                                 ‫َّ‬
                                               ‫َّ‬
‫خلطاب العقل وإثارة الفكر والتأمل؛ مما مكن للقرآن الكريم أن ينترش بقوته الذاتية عرب‬
                                                        ‫ُّ‬
‫الزمان واملكان.وسيظل الصوت القرآينُّ فريدً ا مشْ بِعا لألسامع والقلوب، إىل أن تقوم‬
                                     ‫ُ ً‬
                                      ‫الساعة وختشع األصوات للرمحن فال تسمع إال مهسا.‬
                                        ‫ً‬
 ‫وهكذا كلام ازددنا تدبرا ازددنا إجالال هلذا اإلعجاز الصويت الفريد يف القرآن الكريم.‬
                                                             ‫ً‬
         ‫وسبحان من هذا كالمه: ﮋ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﮊ (العنكبوت).‬


            ‫(1) أخرجه أمحد يف مسنده (53)، وابن ماجه (531)، وقال األلباين: صحيح يف السلسلة الصحيحة.‬
‫18‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




                                     ‫امل�سادر واملراجع‬
                                                                             ‫المراجع العربية:‬
                                                                                       ‫القرآن الكريم.‬
     ‫إعجاز القرآن والبالغة النبوية / مصطفى صادق الرافعي. ــــ ط9 . ــــ بريوت: دار الكتاب‬
                                                                                      ‫العريب،3791م‬
     ‫البيان يف روائع القرآن : دراسة لغوية وأسلوبية للنص القرآين/ متام حسان. ـــــ القاهرة:عامل الكتب,‬
                                                                                            ‫3991م.‬
                                           ‫حتفة اإلخوان يف بيان جتويد القرآن / حسن إبراهيم الشاعر.‬
             ‫التصوير الفني يف القرآن / سيد قطب . ـــــ ط1 . ـــــ القاهرة : دار الرشوق ، 8891 م .‬
          ‫التعبري الفني يف القرآن / أمني بكري شيخ . ـــــ ط4 . ـــــ القاهرة : دار الرشوق ،] د.ت [ .‬
     ‫اخلصائص / ابن جنى، حتقيق حممد عىل النجار. ـــــ ط3, مزيدة ومنقحة. ـــــ القاهرة: اهليئة املرصية‬
                                                                              ‫العامة للكتاب, 3891م.‬
     ‫دراسة إحصائية جلذور تاج العروس باستخدام الكمبيوتر / عىل حلمي موسى ، عبد الصبور شاهني‬
                                               ‫.ـــــ الكويت : مطبوعات جامعة الكويت ، 3791 م .‬
                    ‫داللة األلفاظ / إبراهيم أنيس . ـــــ القاهرة : مطبعة جلنة البيان العريب ، 3691 م .‬
     ‫الداللة والكالم ( دراسة تأصيلية أللفاظ الكالم يف العربية املعارصة يف إطار املناهج احلديثة )/ حممد‬
                                                     ‫حممد داود . ـــــ القاهرة : دار غريب ، 2002 م .‬
     ‫دالئل اإلعجاز / اجلرجاين ؛ حتقيق حممد عبد املنعم خفاجي . ـــــ القاهرة : مكتبة القاهرة ، 0891م‬
             ‫الرسالة الشافية ضمن ثالث رسائل يف إعجاز القرآن / اجلرجاين . ــــ القاهرة ، 8691م .‬
             ‫سنن أيب داود / أبو داود . ــــ ط1 . ـــــ القاهرة : مكتبة أوالد الشيخ للرتاث، 2002 م .‬
                          ‫سنن الرتمذي / الرتمذي . ــــ القاهرة : مجعية املكنز االسالمي ، 1241 هـ.‬
     ‫سوسيولوجيا الفن / ديفيد إنجليز ، جون هجسون ؛ ترمجة ليىل املوسوي؛ مراجعة حممد اجلوهري .‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬          ‫28‬




              ‫ـــ الكويت : املجلس الوطني للثقافة والعلوم ؛ 7002م . ــــ (عامل املعرفة ؛ 143) .‬
‫الصاحبي يف فقه اللغة العربية وسنن العرب يف كالمها / ابن فارس ؛ حتقيق مصطفى الرشبيني . ــــ‬
                                                  ‫القاهرة : اهليئة العامة لقصور الثقافة ، 3002 م .‬
           ‫فتح القدير / الشوكانـي . ـــــ دمشق : دار الفكر للطباعة والنرش والتوزيع، ] د. ت [.‬
 ‫يف اللهجات العربية / إبراهيم أنيس . ـــ ط4 . ــ القاهرة: مكتبة األنجلو املرصية، ط4، 3791م.‬
         ‫القاموس املحيط / الفريوز آبادي . ــــ ط1 . ــــ بريوت : دار العلم للماليني،6891 م .‬
             ‫كتاب املوسيقى الكبري / الفارايب . ــــ القاهرة : دار الكتاب للطباعة والنرش، ]د.ت [.‬
                     ‫كامل اللغة القرآنية / حممد حممد داود. ــ ط1 .ـــ القاهرة: دار املنار، 7002م.‬
                        ‫لسان العرب / ابن منظور . ــــ ط3 . ــــ بريوت : دار صادر ، 4991 م .‬
                 ‫مباحث يف علوم القرآن / صبحي الصالح . ــــ القاهرة : مكتبة وهبة ، 4002م .‬
                                                     ‫املعجم العريب احلديث / الروس ، 3791 م .‬
‫معجم الفروق الداللية يف القرآن الكريم لبيان املالمح الفارقة بني األلفاظ متقاربة املعنى والصيغ‬
                     ‫واألساليب املتشاهبة / حممد حممد داود . ــــ القاهرة : دار غريب ، 8002 م .‬
‫املفارقة القرآنية: دراسة يف بنية الداللة / حممد العبد. ــــ ط1 . ــــ القاهرة: مكتبة اآلداب، 6002م.‬
‫النبأ العظيم : نظرات جديدة يف القرآن / حممد عبد اهلل دراز . ــــ ط6 . ــــ الكويت : دار القلم ،‬
                                                                                         ‫4891م .‬
                                                            ‫نظام الغريب يف اللغة / عيسى الربعي.‬
                                                     ‫نيوزويك ، مارس 5002 م .ــــ (عدد22) .‬

                                                                         ‫المراجع األجنبية:‬
‫‪Clive Modern Arabic, Holes, Structure, Functions and‬‬
‫.5991 ,‪Varieties, London, Longman‬‬

‫.6691 ,‪Structure du Langage poetique, JeanCohen, Flammation, Paris‬‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬




  ‫بع�س اأوجه الإعجاز في حديث النهي‬
         ‫عن بيع ما لي�س عندك‬
                     ‫عبد الكرمي اأحمد قـنـدوز‬
           ‫حما�صر بق�صم املالية - كلية العلوم الإدارية والتخطيط‬
                      ‫جامعة امللك في�صل (الأح�صاء)‬
                         ‫اململكة العربية ال�صعودية‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬   ‫48‬




                               ‫م�ستخل�س البحث‬
‫عن حكيم بن حزام ريض اهلل عنه قال: يا رسول اهلل: يأتيني الرجل فرييد مني البيع ليس‬
‫عندي، أفأبتاعه له من السوق؟ فقال صىل اهلل عليه وسلم: "ال تبع ما ليس عندك”. و يف‬
‫رواية قال: ابتعت طعام ًا من طعام الصدقة، فرت ّبحت فيه قبل أن أقبضه، فأتيت رسول‬
‫اهلل صىل اهلل عليه و سلم، فذكرت ذلك له فقال: "ال تبعه حتى تقبضه".[أخرجه أمحد‬
‫(3/204)، و أبو داود (3053)، و الرتمذي (2321)، و النسائي (3164)، و ابن ماجه‬
‫(7812)، و ابن حبان (2694)، و ابن اجلارود (206)، و الطرباين يف الكبري (7903)]‬
                                                                      ‫وحسنه الرتمذي‬
‫و قد اسرتعى انتباه الباحث، أن سبب حدوث الكثري من األزمات التي عصفت بأسواق‬
                  ‫املال املحلية و العاملية كان سببه هو عدم متلك األصول حمل التعاقد‬
‫هلذا يستهدف البحث اسكتشاف بعض أوجه اإلعجاز يف قوله صىل اهلل عليه و سلم:‬
‫"ال تبع ما ليس عندك”. و كيف أدى اإلخالل هبذا الرشط إىل حدوث الكثري من األزمات‬
‫كام أرشنا سابق ًا، متعرضني مع ذلك إىل الكثري من املعامالت التي تتم اليوم يف أسواق املال‬
‫دون احلاجة إىل متلك األصول، يف حني تتم التعامل بتلك األصول (بيع ًا و رشاء أو قرضا و‬
                                                  ‫اقرتاضا أو غريها من املعامالت املالية)‬
                                     ‫لتحقيق هدف البحث �صوف نناق�س مو�صوعني‬
‫املو�صوع الأول: نخصصه ألقوال العلامء يف معاين احلديث، و ذلك حتى تتوافر لدينا‬
                           ‫املعرفة املطلوبة لتوضيح وجه اإلعجاز من نواح اقتصادية.‬
‫املو�صوع الثاين: نتناول يف بعض التعامالت (املالية) املعارصة التي تكون من باب‬
 ‫الترصف يف األصول (األعيان) قبل التملك و آثارها عىل أسواق املال املحلية و الدولية.‬
‫58‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




             ‫بع�س اأوجه الإعجاز يف حديث النهي عن بيع‬
                          ‫ما لي�س عندك‬

                                                                                ‫توطئة:‬
      ‫نرى أنه من الرضوري قبل االبتداء بموضوعنا أن نقدم له باإلشارة إىل نقطتني أساسيتني:‬
     ‫الأولى: هي اأن الأ�صل يف املعاملت الإباحة، وقد نبه اإلمام ابن تيمية-رمحه اهلل‬
                       ‫تعاىل- إىل أساس فساد العقود يف املعامالت وإرجاعها إىل أمرين ومها:‬
                                                                ‫١. الربا وما يؤدي إليه.‬
                                                   ‫٢. حتريم الغرر الفاحش دون اليسري.‬
     ‫قال رمحه اهلل: "إن عامة ما هني عنه يف الكتاب والسنة من املعامالت يعود إىل حتقيق العدل‬
     ‫والنهي عن الظلم: دقة وجله، مثل أكل املال بالباطل وجنسه من الربا وامليرس، وأنواع الربا‬
     ‫وامليرس التي هنى عنها النبي صىل اهلل عليه وسلم: مثل بيع الغرر وبيع حبل احلبلة وبيع‬
     ‫الطري يف اهلواء. يقول الشيخ أمحد بن عىل السالوس حفظه اهلل: "و إذا نظرنا يف الفاسد من‬
                                                                ‫َّ‬
                   ‫املعامالت املعارصة، أدركنا دقة و حسن فهم شيخ اإلسالم رمحه اهلل تعاىل".1‬

                             ‫الثانية: اأن فقه املعاملت مبني على مراعاة العلل وامل�صالح‬
     ‫فاملعامالت ليست كالعبادات توقيفية، وقد هنى النبي صىل اهلل عليه وسلم عن بيع الغرر‬
     ‫يف حني هناك من الفقهاء من أجاز من البيوع ما فيه غرر ال يفيض عادة إىل النزاع. وهنى‬
     ‫النبي صىل اهلل عليه وسلم عن بيع املعدوم، يف حني عقد االستصناع (وهو بيع معدوم) جائز‬
                                                 ‫وذلك حلاجة الناس إليه وجريان العمل به.‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬       ‫68‬




                                                                         ‫مشكلة البحث:‬
‫متثل املخاطر (خاصة املالية منها) حتدي ًا لالقتصاد العاملي ككل، و قد تزايدت تلك‬
‫املخاطر بشكل مطرد و رهيب ابتداء من مخسينيات القرن العرشين و ازدادت حدهتا مع‬
‫ثورة االتصاالت و تكنولوجيا املعلومات و ما رافقها من عوملة االقتصاديات املحلية،‬
  ‫بحيث مل يعد أحد بمعزل عن املخاطر التي يمكنها أن يسببها أحد عنارص النظام العاملي.‬
‫تال ذلك سعي حثيث للبحث عن أسباب املخاطر و طرق قياسها و من ثم جتنبها أو عىل‬
‫األقل تقليل آثارها، و توالت االبتكارات حتت مسمى اهلندسة املالية...إال أنه و بالرغم‬
‫من النمو املطرد يف تلك االبتكارات من أدوات و أساليب ملعاجلة املخاطر كاملشتقات‬
‫املالية (التي أصبحت تثري الكثري من اإلشكاالت القانونية و االقتصادية)، فإن التقلبات و‬
                           ‫ً‬
           ‫االضطرابات االقتصادية املالية و االقتصادية تبدو يف ازدياد بدال من االنحسار.‬
                 ‫َّ‬
‫إن املتأمل يف واقع ال َّتغريات االقتصادية التي يشهدها العامل يالحظ أن االقتصاد العاملي‬
                                                           ‫ُّ‬                ‫رِّ‬
‫أصبح اليوم يبحث عن بدائل و حلول جديدة، و هو عىل استعداد لقبوهلا ما دامت حتقق‬
‫أهدافه، و لعل الواقع قد وضح لنا الكثري من ذلك...هلذا تربز الفرصة مواتية إلعطاء‬
‫البدائل. و هي بدائل حتقق الرفاه املنشود (بإذن اهلل) للبرشية قاطبة، و هي مستمدة من‬
‫االقتصادي اإلسالمي الذي يقوم عىل جمموعة من املرتكزات الفقهية و تستمد جذوره من‬
                                                                         ‫فقه املعامالت.‬


                                                       ‫فما هو االقتصاد اإلسالمي؟‬
                        ‫ً‬
‫االقتصاد اإلسالمي له العديد من اإلطالقات، يطلق وصفا القتصاد دولة إسالمية،‬
‫ويطلق كتعبري عن النشاط الذي خيضع للرشيعة اإلسالمية يف أحكامه، ويطلق عىل العلم‬
‫الذي يدرس النشاط االقتصادي أو يبحث يف النشاط االقتصادي عىل هدي اإلسالم، و‬
‫املعنى األخري يشمل جانب ًا مذهبي ًا وجانب ًا نظري ًا وجانب ًا تطبيقي ًا، فاجلانب النظري يقصد به‬
‫األسس واملبادئ العامة التي جاءت يف الكتاب والسنة؛ لكي يستظل هبا املجتمع ويسري عىل‬
‫78‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




     ‫ضوئها أو حيتكم إليها يف اجلانب االقتصادي، وهو الذي يطلق عليه املذهب االقتصادي‬
                                                                     ‫َّ‬
     ‫اإلسالمي، مثل مقولة: "إن املال مال اهلل والبرش مستخلفون فيه"، ومقولة: "إن التوازن‬
     ‫ُ َ ُ ً َْ َْ ِ‬
     ‫االقتصادي بني األفراد جيب أن يسود املجتمع اإلسالمي"، "كي ال َيكون دو َلة َبني األغنِ َياء‬
                                      ‫َ ْ‬
                                                   ‫ً‬
     ‫م ْنكم" [احلرش: ] أي حتى ال يكون املال وقفا عىل فريق دون فريق، ومقولة: "وجوب‬          ‫ِ ُ‬
                                             ‫حتقيق حدرِّ الكفاية لكل إنسان يف املجتمع املسلم"‬
     ‫هذه مبادئ عامة متثل اجلانب املذهبي ، أما اجلانب التطبيقي أو النظام الذي جيب أن‬
     ‫يسود يف ظل اإلسالم فيتمثل يف رضورة اشتقاق صورة تطبيقية واقعية عملية متثل هذه‬
     ‫املبادئ ، واألسس التي جاء هبا املذهب االقتصادي اإلسالمي، ثم يأيت اجلانب النظري‬
                              ‫املتمثل يف بناء النظريات واشتقاق القوانني عىل هدى اإلسالم.‬


                                           ‫الثابت والمتغير في االقتصاد اإلسالمي‬
     ‫الثابت يف االقتصاد اإلسالمي هو املبادئ التي هي جمموعة األصول الواردة يف القرآن‬
     ‫والسنة ليلتزم هبا املسلمون يف كل زمان ومكان، مثل أن املال هلل والبرش مستخلفون فيه،‬
     ‫وضامن حد الكفاية لكل فرد، وحتقيق العدالة االجتامعية وحفظ التوازن االقتصادي بني‬
     ‫أفراد املجتمع، واحرتام امللكية اخلاصة، واحلرية االقتصادية املقيدة بتجريم أوجه النشاط‬
                                                             ‫ً‬
     ‫االقتصادي التي تتضمن استغالال واحتكار ًا أو ربا، ثم التنمية االقتصادية الشاملة أي طرق‬
                ‫متلك املال بالعمل، ثم ترشيد اإلنفاق وحتريم التبذير واإلرساف وكنز األموال.‬
     ‫و املتغري هو طريقة التطبيق وهي األساليب واخلطط العلمية واحللول االقتصادية التي‬
     ‫يكشف عنها املجتهدون إلحالة أصول اإلسالم إىل واقع. وعىل هذا فاالقتصاد اإلسالمي‬
               ‫إنام هو مذهب ونظام، فهو مذهب من حيث األصول ونظام من حيث التطبيق.‬

                                                          ‫رسالة االقتصاد اإلسالمي:2‬

     ‫االقتصاد اإلسالمي ليس للمسلمني فحسب، بل هو للعامل أمجع: قال تعاىل: ( و ما أرسلناك‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬      ‫88‬




‫إال رمحة للعاملني). [األنبياء: 701]، و هذا يعني أن أمام االقتصاديني اإلسالميني مسؤولية‬
‫كبرية يف إبالغ هذه الرسالة للبرشية، و املسامهة اإلجيابية يف حتقيق الرخاء و االستقرار لالقتصاد‬
‫العاملي. و تتضاعف هذه املسؤولية يف ظل تزايد الشكوى من األنظمة االقتصادية السائدة، و‬
‫املطالبة بالبحث عن حلول بديلة حتقق األهداف املنشودة للتنمية الشاملة و عدالة التوزيع...،‬
‫مع املحافظة عىل القيم األخالقية و املوارد الطبيعية، و من تلك املشاكل التي سببتها األنظمة‬
                ‫االقتصادية القائمة هو كام أرشنا تزايد املخاطر بشكل يدد االستقرار العاملي.‬
‫إن ورقتنا هذه هي حماولة لفتح باب احلوار املتعمق بني الباحثني يف االقتصاد و االقتصاد‬
‫اإلسالمي و الفقهاء سعيا إلعطاء بدائل أفضل مما هي متاحة، و ذلك انطالقا من كتاب اهلل و‬
          ‫سنة رسوله صىل اهلل عليه و سلم، و كذا تراث الفقهاء املسلمني عىل مر العصور...‬
‫و يف هذه الورقة البحثية حماولة إلعطاء مقرتح حلل أحد أسباب تلك املخاطر (عىل نحو ما بدا‬
  ‫للباحثني)، هذا السبب هو التعامل باألصول (مادية كانت أو مالية أو معنوية) من دون متلك.‬
                     ‫و ميكن اأن نرجع اأهمية ورقتنا البحثية اإلى العنا�صر التالية:‬
   ‫	 •احلاجة إىل تقريب فهم حديث النهي عن بيع ما ليس عندك حتى يتسنى مواجهة ما‬
                                                       ‫يستجد من تطبيقات معارصة.‬
   ‫	 •حماولة التأصيل ملوضوع التحوط و إدارة املخاطر يف االقتصاد اإلسالمي و إجياد‬
                                                       ‫ُّ‬
             ‫أسسه انطالق ًا من أحكام الرشيعة اإلسالمية املتعلقة باملعامالت املالية.‬
   ‫	 •إجياد منهج إسالمي أصيل و معارص يمكن من خالله تقليل املخاطر التي تواجه‬
                                                                 ‫االقتصاديات العاملية‬
   ‫	 •توفري متطلبات وضع معيار رشعي حول هذا الضابط، يمكن أن تستفيد منها هيئة‬
                                               ‫املحاسبة واملراجعة اإلسالمية وغريها.‬
‫98‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




                  ‫3‬
                   ‫املو�سوع الأول: اأقوال العلماء يف معاين احلديث‬
                                                  ‫اأول: حديث النهي، حجيته ومدلوله‬
                                                                         ‫اأ- حديث النهي‬
                                                     ‫ورد حديث النهي عىل ثالث هيئات:‬
     ‫١. استفسار حكيم بن حزام، كقوله:" سألت النبي فقلت: يا رسول اهلل، يأتيني الرجل‬
     ‫فيسألني البيع ليس عندي، أفأبيعه منه ثم أبتاعه له من السوق؟. قال: (ال تبع ما ليس‬
                                            ‫عندك)". (رواه النسائي، ج7، ص982).‬
     ‫٢. إقرار حكيم بن حزام لنهيه بقوله:" هناين رسول اهلل صىل اهلل عليه وسلم أن أبيع ما‬
             ‫ليس عندي". (رواه الرتمذي، حتفة األحوذي، ج4، ص ص034-134).‬
     ‫٣. أمور هنى عنها، منها بيع ما ليس عندك. عن عبد اهلل بن عمر، قال رسول اهلل صىل اهلل‬
     ‫عليه وسلم:" ال حيل سلف وبيع، وال رشطان يف بيع، وال ربح ما مل تضمن، وال بيع ما‬
          ‫ليس عندك". (رواه أبو داود، ج3، ص ص 967-577 حديث رقم 4053).4‬

                                                                             ‫ب- حجيته‬
     ‫احلديث رواه اخلمسة: أبو داود، والنسائي، والرتمذي، وابن ماجه يف سننه (جملد3،‬
                                     ‫ص03-13)، واإلمام أمحد يف مسنده (جملد3، ص204).‬
     ‫وقد ذكر الرتمذي أن احلديث حسن صحيح، والعمل به عند أكثر أهل العلم. قال ابن‬
     ‫قدامة املقديس: "ال نعلم فيه خمالفا" (الرشح الكبري مع املغني، ج4، ص61)، وتناوله فقهاء‬
                                                                           ‫املذاهب بالقبول.‬
           ‫قال الوزير: اتفقوا عىل أنه ال جيوز بيع ما ليس عنده وال يف ملكه وأنه باطل. ا هـ.‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬   ‫09‬




                                                                          ‫ج- مدلوله‬
‫يفهم من احلديث كام ورد عن غري واحد من الفقهاء قديام وحديثا: أن الرجل يأيت إىل‬
‫حكيم بن حزام يطلب منه رشاء سلعة يعتقد أهنا عنده، وهي يف احلقيقة ليست عنده،‬
‫واملشرتي ال يعلم، وحكيم مل يشأ أن خيربه، فيبيعه السلعة ويقبض ثمنها، عىل أمل أن‬
                                                      ‫يشرتيا من السوق، ثم يسلمها له.‬


                                               ‫في معنى الحديث و مدلوالته:‬
‫اآراء فقهاء املذاهب من خالل تتبع آراء فقهاء املذاهب، يتبني أهنم رغم اتفاقهم عىل النهي،‬
     ‫واحتجاجهم باحلديث، إال أهنم اختلفوا فيام يمكن أن يتضمنه النهي من معنى، فمنهم:‬
   ‫	 •من يرى أن النهي خاص باملعني دون املوصوف يف الذمة، ومن يراه يف املوصوف‬
                                                       ‫يف الذمة دون املعني.‬
   ‫	 •من يراه يف اململوك غري املقدور عىل تسليمه (خلروجه عن احلوزة)، ومن يراه يف‬
                                       ‫غري اململوك باعتباره يف ملك غري بائعه.‬
          ‫	 •من يراه يف احلارض غري اململوك، ومن يراه يف املعدوم، ومن يراه يف الغائب.‬
   ‫	 •من يراه يف البائع فيام يبيعه باألصالة عن نفسه، أو حينام يبيع مباحا قبل االستيالء‬
                  ‫ً‬
                                                  ‫عليه، مبعنى اأنهم اختلفوا يف:‬
‫١. املبيع: بني: املعني، واملوصوف يف الذمة، واململوك اخلارج عن القدرة، وغري اململوك‬
‫باعتباره يف ملك غري البائع، واحلارض غري اململوك، واملعدوم، والغائب، واملباح قبل‬
                                                                ‫االستيالء عليه.‬
                                 ‫ً‬      ‫ً‬
                               ‫٢. البيع: بني: احلال، والبيع مطلقا (حاال ومؤجال).‬
‫٣. البائع: بني: من يبيع ما يملكه كالغائب واخلارج عن احلوزة، ومن يبيع ملك غريه‬
                                                                ‫كالفضويل.‬
‫19‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




     ‫قد يبدو للناظر أن مسألة بيع ما ليس عندك واضحة وبسيطة، ولكن الواقع أوضح غري‬
                                    ‫ذلك. فقد تبني اتساع املوضوع وتشعب اآلراء فيه.‬
                                ‫ً‬
     ‫اأول: معنى (عند) الواردة يف احلديث: ما كان حارضا قري ًبا لديك، أو يف حوزتك‬
                                                                            ‫ً‬
                                    ‫وإن كان بعيدً ا، بحيث يكون حتت قدرتك وقت طلبه.‬
     ‫ثانيا: ذكر بع�س الفقهاء اأن (ما لي�س عندك): أي ما ليس يف ملكك. وذكر آخرون:‬
                                               ‫ما ليس يف ملكك وال حتت مقدرتك.‬
     ‫واحلق أن القدرة عىل التسليم مع مرشوعية الترصف بالبيع حتقق قصد الشارع، فالبائع‬
     ‫قد يملك وال حيوز فال يقدر عىل التسليم، ومن ثم ال يمكنه ملكه من جتاوز النهي الوارد‬
     ‫يف احلديث. وقد ال يملك املبيع الذي حتت حوزته وقدرته، ويكون بيعه صحيحا مع عدم‬
               ‫ً‬
                                                                  ‫ً‬
     ‫امللك، حينام يكون وكيال يبيع بإذن موكله الذي يملك املبيع. بمعنى أن عدم ثبوت ملك‬
     ‫البائع للمبيع يمكن أال يؤثر عىل صحة البيع، بينام خروج املبيع عن قدرة البائع عىل تسليمه‬
                                                        ‫ً‬                 ‫ً‬
                                   ‫حتى لو كان مالكا له جيعل البيع داخال حتت هني احلديث.‬
     ‫ثالثا: علة النهي: هي عدم القدرة عىل التسليم، وما ينشأ عنها من غرر فاحش يصل‬      ‫ً‬
     ‫إىل حد القامر، ومن استحالة متليك البائع ما ال يملك للمشرتي فيام يبيع باألصالة عن نفسه،‬
     ‫ومن تفويت القصد بالبيع يف متليك الترصف، ومما قد ينشأ من نزاع بني البائع واملشرتي،‬
       ‫إضافة إىل عدم دخول املبيع يف ضامن البائع، ومن ثم ال جيوز له أن يربح يف ما مل يضمن.‬
     ‫رابعا: حول آراء الفقهاء يف املبيع املنهي عنه بني كونه يف املعني أو املوصوف يف الذمة:‬
                                                                                     ‫ً‬
     ‫من صيغ العموم، األسامء املوصولة مثل (ما)، كام يف قوله تعاىل: (ما عندكم ينفد وما عند‬
     ‫اهلل باق) [النحل:69] وقوله تعاىل: ( وهلل ما يف السموات وما يف األرض ) [النجم:13].‬
     ‫وهنا يف نص احلديث:" ال تبع ما ليس عندك". أي أن هذه الصيغة واردة يف حديث النهي.‬
     ‫وعلامء أصول الفقه يقولون: "العربة بعموم اللفظ ال بخصوص السبب". أي أن املبيع عىل‬
     ‫عمومه منهي عن بيعه طاملا أنه ليس عند البائع. هذا هو عموم اللفظ. أما خصوص السبب،‬
                          ‫فهو أن يكون هذا النهي خاصا بحكيم بن حزام، وهذا هو املستبعد.‬
                                                                 ‫ً‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬   ‫29‬




‫وعىل ذلك فبيع ما ليس عندك عىل عمومه، يتضمن املبيع املعني واملبيع املوصوف يف‬
‫الذمة املعجوز عن تسليمهام. وطاملا اتفق املعني واملوصوف يف الذمة يف عموم اللفظ، فال‬
‫مسوغ إلدخال أحدمها حتت النهي وإخراج اآلخر. بمعنى أن حكيم بن حزام إذا مل يكن‬
                                         ‫ً‬                          ‫ً‬
‫يبيع معينًا مملوكا خارجا عن حوزته، أم مملوكا لغريه، فإن هذا املعني ليس عنده، ويندرج‬
                                                              ‫ً‬
                                                                  ‫حتت عموم اللفظ.‬
‫خل�صة ما �صبق: إذا كان بعض الفقهاء قد حرص النهي يف املبيع املعني، والبعض اآلخر‬
‫حرصه يف نطاق املعاين التي حتملها قصة احلديث، ليكون يف املوصوف يف الذمة دون املعني،‬
                                                     ‫ً‬
                       ‫فإن النهي يتحقق فيهام معا، عمال بعموم اللفظ الذي يتسع هلام.5‬
                                                           ‫ً‬
                                    ‫ً‬
                                   ‫خام�صا: إن النهي خاص فيام كان البيع فيه حاال.‬
                                                                            ‫ً‬
‫ويمكن أن نخلص مما سبق إىل وضع ضابط لنهيه صىل اهلل عليه وسلم عن بيع ما ليس‬
                              ‫عندك ملعرفة ما يندرج حتت النهي وما خيرج عنه، كام ييل:‬
                                                       ‫�صابط اخلروج عن النهي:‬
   ‫	 •أن يصدر البيع عن البائع الذي له والية إصدار عقد البيع، سواء كانت والية‬
                                                   ‫اإلصدار أصلية أو نيابية.‬
                                                       ‫	 •وأن يكون املبيع يف ضامنه.‬
                       ‫	 •وأن يكون مقدور التسليم يف املحل املرشوط بحسب العادة.‬
                                                ‫ومبفهوم املخالفة، يدخله النهي:‬
         ‫	 •إذا صدر عن بائع ليس له والية إصداره (ال باألصالة وال بالنيابة). و/أو .‬
                                                 ‫	 •إذا مل يكن املبيع يف ضامنه. و/أو.‬
                                   ‫	 •إذا مل يكن قادرا عىل تسليمه يف املحل املرشوط.‬
                                                                 ‫ً‬
‫39‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




             ‫املو�سوع الثاين: املعامالت (املالية) املعا�سرة التي تكون‬
              ‫من باب الت�سرف يف الأ�سول (الأعيان) قبل التملك‬
                  ‫واآثارها على اأ�سواق املال املحلية و الدولية‬

                           ‫بعض المعامالت التي هي من قبيل بيع ما لم يملك‬
        ‫	 •إذا جاءك إنسان يريد سلعة وهي ليست عندك ؛ ولكنها موجودة يف السوق فيقول‬
        ‫لك: أبرم معي عقد البيع ثم اشرتها وسلمنيها، فإذا قال ذلك فقل له : هذا ال جيوز‬
        ‫ألنه ال حيق يل أن أبيعك سلعة مل تدخل بعد يف ملكي ألن البيع ال يصح إال من‬
                                                                                 ‫ٍ‬
                                                        ‫مالك للعني أو من يقوم مقامه‬
        ‫	 •األرايض التي توزعها الدولة عىل املواطنني فيتقدم بعض املواطنني بطلب إقطاعها‬
                                                     ‫ً‬
        ‫، وبعد سنوات يمتلكوهنا فعال، فيقوم بعض املواطنني ببيع هذه األرض قبل‬
                  ‫ٍ‬
        ‫توزيعها وال معرفتها عين ًا، وإنام يبيع األوراق اخلاصة هبا إىل آخر بعقد يكتب فيه‬
        ‫أن السلعة املبيعة هي هذه األرض التي ستوزع بعد سنوات ، وهذا ال شك يف منعه‬
        ‫ألنه اآلن ليس باملك هلا، والبيع ال يصح إال من مالك للعني، وألن ذلك من الغرر‬
        ‫إذ قد توزع وقد ال توزع، فهو غري متحقق القدرة عىل تسليمها وقد هنى النبي صىل‬
                                          ‫اهلل عليه و سلم عن بيع الغرر، واهلل أعلم.6‬


     ‫المرابحة المصرفية على نحو ما تقوم به بعض المصارف اإلسالمية:‬
                                           ‫ً‬
     ‫تعترب املرابحة من أكثر أساليب التمويل استعامال لدى املصارف اإلسالمية، فجوهرها‬
     ‫يتضمن إبرام العقود التي يلتزم بموجبها البائعون بنقل ملكية سلعهم أو حقوقهم العينية‬
     ‫بمقابل نقدي يتضمن هامش ربح مقبول رشع ًا، أما املرابحة املرصفية أو املرابحة لآلمر‬
     ‫بالرشاء فتعني قيام املرصف [اإلسالمي] بتنفيذ طلب املتعاقد معه عىل أساس رشاء األول‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬   ‫49‬




‫ما يطلبه الثاين بالنقد الذي يدفعه املرصف - كليا أو جزئي ًا - وذلك يف مقابل التزام الطالب‬
‫برشاء ما َأمر به وحسب الربح املتفق عليه عند االبتداء).7( كام ورد يف قانون املرصف‬
                                                                          ‫ََ‬
                                                                   ‫اإلسالمي األردين)‬
‫وهنا مسألة قد عمت هبا البلوى، هلا عالقة بموضوع بحثنا و هو البيع من دون متلك‬
‫األصول حمل التعاقد. حيث تقوم بعض املصارف ببيع سيارات أو سلع الرشكات األخرى،‬
                                  ‫فهل املرصف هبذا يبيع ما يملك، وما ليس عنده؟‬
‫ومن املعلوم أن العميل عندما يأيت إىل البنك اإلسالمي ليشرتي سيارة مثال، يقول له‬
‫البنك اإلسالمي: أنا أبيعك، ويقصد بذلك أنا أبيعك ما ختتاره من السيارات املوجودة يف‬
              ‫الرشكات التي يف السوق، ولكن من أين يأيت هبا ؟ وهل هو يبيع ما يملك ؟‬
       ‫وقد حاول بعض الفقهاء أن خيرجوا البنك اإلسالمي من هذا اإلشكال بام ييل:8‬

‫اأول: أن يعد العميل البنك اإلسالمي بالرشاء، والبنك يعد العميل بالبيع، ويوقع‬
‫الطرفان عىل (الوعد). ومعنى هذه الورقة املوقعة بني الطرفني بالوعد، أي: البيع مل يتم بعد،‬
                       ‫لكن وعدناك بالبيع بعدما نشرتي السلعة، وأنت وعدتنا بالرشاء منا.‬
‫ثانيا: جيعل البنك هذه الورقة ملزمة؟ فأنت عندما تأيت البنك اإلسالمي، وتوقع عىل‬
‫الوعد بالرشاء، فأنت ملزم بإمتام العملية، ويقولون هي ليست ببيع، حتى ال نقع يف إشكال‬
        ‫بيع ماال يملك البائع، وإنام هي وعد، واملسلم مسؤول عن وعده، ملزم بالوفاء به .‬
‫ثالثا: بعدها يعطي البنك اإلسالمي للرشكة، قيمة البضاعة نقدا، وحيوهلا إىل املشرتي‬
‫باألقساط بربح معلوم، فيضمن بذلك عدم تراجع املشرتي عن الصفقة، ويضمن أيضا‬
                                                                      ‫ربحه فيها.9‬

‫لكن املتحايلون أتوا بطريقة أخرى: وهي أن ال يقوم البنك اإلسالمي برشاء السلعة،‬
‫بعقد رسمي من الرشكة التي يطلب العميل سلعة منها، ويكون العقد بمثابة احليازة، بل‬
‫يكفي اإلجياب والقبول عن طريق اهلاتف، ثم يوقع مع العميل عقد البيع، ويبيع السلعة‬
                        ‫باألقساط، ثم بعد ذلك يتم البنك اإلسالمي العملية مع الرشكة .‬
‫ولكن هذه العلمية أيضا غري رشعية، وإنام هو حتايل، أرادوا به أن يفارقوا يف الصورة‬
‫59‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




     ‫فقط، بني ما جتريه رشكات التسهيالت الربوية، ومعاملة البنك اإلسالمي، وقد صح يف‬
     ‫احلديث أن صىل اهلل عليه وسلم (هنى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى حيوزها التجار إىل‬
                       ‫رحاهلم ) رواه أبو داود من حديث زيد بن ثابت. (3/567ح 9943)‬
     ‫وهذا يعني أن التاجر (املرصف اإلسالمي يف حالتنا هذه) جيب عليه بعد التملك أن حيوز‬
     ‫السلعة إذا أراد إعادة بيعها، وحيازة كل شء بحسبه، وليس معناها بالرضورة نقل السلعة‬
     ‫إىل مكان البائع يف كل األحوال، فقد تكون السلعة طائرات أو سفنا أو سيارات كثرية ال‬
     ‫يمكن البائع أن ينقلها، ولكن جيب أن تكون السلعة، انتقلت إليه وصارت يف حوزته، مثل‬
     ‫أن يكون ثمة أوراق رسمية هلا قوة القانون تثبت أن السلعة هي يف حوزة البنك ومسجلة‬
     ‫باسمه، بحيث لو فرض أن تراجع املشرتي، فالسلعة قد دخلت يف ذمة البنك اإلسالمي‬
                                                                            ‫دخوال تاما.‬


                                                                            ‫بيع التورق:‬
     ‫التورق هو رشاء سلعة ليبيعها إىل آخر غري بائعها األول للحصول عىل النقد. مثال‬
     ‫ذلك أن يشرتي سلعة بثمن مؤجل ثم يبيعها آلخر نقد ًا ليحصل عىل ثمنها احلال لرغبته يف‬
     ‫احلصول عىل النقد. فإن باعها إىل نفس بائعها األول فهي العينة املمنوعة، أما إن باعها إىل‬
                                                                  ‫طرف ثالث فهي التورق.01‬

      ‫أما التورق املنظم فهو معاملة استخدمتها بعض املصارف اإلسالمية عىل النحو التايل:‬
     ‫يقوم املرصف بعمل نمطي يتم فيه ترتيب بيع سلعة (ليست من الذهب أو الفضة) من‬
     ‫أسواق السلع العاملية أو غريها، عىل املستورق بثمن آجل، عىل أن يلتزم املرصف ـ إما برشط‬
     ‫يف العقد أو بحكم العرف و العادة ـ بأن ينوب عنه يف بيعها عىل مشرت آخر بثمن حارض، و‬
                                                              ‫تسليم ثمنها للمستورق.11‬

     ‫لكن ثمة مشكلة يف بعض تطبيقاهتا باملصارف اإلسالمية، و هي من صور بيع السلع قبل‬
     ‫حيازهتا، حيث جتد أحيان ًا من هو بحاجة إىل نقود، يذهب ليشرتي كمية من اإلسمنت مثال‬
     ‫باألقساط، ويوقع عىل الرشاء، ثم يبيعه مبارشة ملقاول بسعر أقل نقدً ا، وذلك قبل احليازة،‬
     ‫بل إنه ال يعرف حتى أين بضاعته، وهذا بيع منهي عنه، وهو بيع التاجر السلعة قبل حيازهتا.‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬   ‫69‬




                                     ‫ً‬
                                    ‫المشتقات المالية (عقود الخيارات مثاال)‬
‫ينظر الكثري من الباحثني يف قضايا املال و االستثامر إىل املشتقات املالية كأفضل ما استطاع‬
‫الفكر االستثامري انجازه إىل اآلن.21 و يقصد باملشتقات املـالية العقود التي ُتشتق قيمتها‬
‫من قيمة األصول املعنية (أي األصول التي متثل موضوع العقد) و األصول التي تكون‬
‫موضوع العقد تتنوع ما بني األسهم و السندات و السلع و العمالت األجنبية....و تسمح‬
‫املشتقات للمستثمر بتحقيق مكاسب أو خسائر اعتامد ًا عىل أداء األصل موضوع العقد، و‬     ‫ّ‬
              ‫من أهم املشتقات: عقود االختيار، العقود املستقبلية، عقود املبادالت...31‬

‫و قد أهبر التضاعف الرسيع حلجم أسواق املشتقات حتى االقتصاديني حيث ارتفعت من‬
‫أقل من 001 تريليون دوالر سنة 8991 إىل أكثر من 033 تريليون دوالر (هناية 5002)،‬
‫أي أهنا تضاعفت ثالث مرات يف أقل من 7 سنوات. و هذا النمو يتجاوز بمراحل نمو أي‬
                                                                     ‫ً‬
                                               ‫نوع من األصول املالية األخرى.41‬

‫حتى يف الغرب، أثارت املشتقات منذ ظهورها قبل 051 عام ًا تقريب ًا و التزال الكثري من‬
‫اجلدل حول مرشوعيتها، سواء من الناحية القانونية أو االقتصادية. فبحسب القانون فإن‬
‫العقود املؤجلة التي ال يراد منها التسليم وإنام التسوية عىل فروق األسعار تعد من الرهان‬
                                                 ‫والقامر الذي ال يعرتف به القانون العام.‬
‫ومن ناحية اقتصادية فإن هذا التعامل ال خيتلف عن القامر ألنه ال يولد قيمة مضافة‬
‫بل جمرد مبادلة يربح منها طرف وخيرس اآلخر، بل قد يكون أسوأ أثر ًا من القامر، ألنه‬
‫يتعلق بسلع وأصول مهمة ومؤثرة يف النشاط االقتصادي ويترضر من جراء تقلباهتا الكثري‬
‫من الناس وهلذا مل يكن غريب ًا أن أكثر جمموعات الضغط نشاط ًا يف السابق ضد املشتقات‬
‫كان املزارعون، إذ كانوا أكثر الفئات ترضر ًا من هذه التقلبات. وقد جرت يف املايض عدة‬
‫حماوالت يف الكونجرس األمريكي ملنع املستقبليات، خاصة عىل السلع الزراعية، أخفقت‬
                   ‫كلها عدا املستقبليات عىل منتجات البصل، التي ال تزال ممنوعة إىل اليوم.‬
‫وقد كان من نتيجة ذلك أن انترشت املقامرات بصورة مقننة وأصبحت املشتقات قنابل‬
‫موقوتة يؤدي اهنيارها إيل اهنيار منشآت األعامل بل إىل اهنيار البورصات، وهذا ما دعا‬
‫العديد من رجال املال الغربيني إىل وصفها بأهنا: "نوع من املقامرة" و "بيت للعب للقامر" و‬
‫79‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




                          ‫"تأثريها عىل تقلب أسعار األوراق املالية قد فاق كل التوقعات".51‬

     ‫وقد وجهت سهام االهتام ألسواق املشتقات بأهنا السبب الرئيس ألزمة يوم االثنني‬
     ‫األسود يف 91 أكتوبر 7891م التي أصابت أسواق رأس املال يف الواليات املتحدة‬
     ‫األمريكية، وترتب عليها انتقال عدواها إىل أسواق رأس املال يف باقي دول العامل. بل إن‬
     ‫املشتقات عصفت ببنك بارنج الربيطاين(‪)Baring Brothers and Company Bank‬‬
     ‫الذي كان تارخيه يمتد يف أعامق املايض إىل 332 سنة حيث بلغت خسائره من املضاربة عىل‬
                                              ‫املشتقات ما يقرب من 5.1 مليار دوالر.61‬

     ‫املدافعون عن املشتقات يرون أهنا أدوات لنقل املخاطر من الوحدات املنتجة كالرشكات‬
     ‫واملؤسسات التي ال ترغب يف حتمل خماطر األسعار إىل الوحدات القادرة عىل حتمل هذه‬
     ‫املخاطر، وهي املؤسسات املالية وبيوت السمرسة الكبرية، وبذلك ترتفع إنتاجية الوحدات‬
     ‫االقتصادية ومن ثم مستوى الرخاء االقتصادي. وهذه العملية هي ما يسمى التحوط، أي‬
               ‫ٌُ‬
     ‫أهنا تقي الرشكات واملؤسسات وجتنبها املخاطر. لكن املعارضني يقولون إن املشتقات هي‬
     ‫نفسها أدوات املجازفة والرهان عىل تقلبات األسعار واالسرتباح من ذلك. وواقع األمر أن‬
     ‫املجازفة هي الغالبة عىل املشتقات، حيث تبلغ نسبة العقود املستخدمة بغرض املجازفة وفق‬
     ‫اإلحصائيات الرسمية أكثر من 79 % من إمجايل العقود، بينام تقترص أغراض التحوط عىل‬
            ‫ٌُ‬
     ‫أقل من 3 %. فاملشتقات أدوات للمجازفة والرهان أكثر منها أدوات للتحوط كام أن تبادل‬
                    ‫ٌُّ‬
     ‫املخاطر يعني أن العملية تصبح مبادلة صفرية، ألنه إذا حتقق اخلطر كسب أحد الطرفني‬
     ‫وخرس اآلخر، وإن مل يتحقق انعكس الوضع. وهذا هو ما جيعل املشتقات أهم أدوات‬
         ‫املجازفة والرهان عىل األسعار، ألن املقصود ليس تبادل امللكية وإنام جمرد املخاطرة.71‬

     ‫وال خالف بني أهل الفن أن املشتقات مبادالت صفرية، لكنهم يقولون إهنا وإن كانت‬
     ‫صفرية عىل مستوى العقد لكنها عىل املستوى الكيل إجيابية ألهنا ترفع مستوى اإلنتاجية‬
     ‫لالقتصاد عموم ًا ومن ثم ينتفع مجيع األطراف. وهذه احلجة يمكن أن تكون صحيحة لو‬
     ‫كانت املشتقات تسري جنب ًا إىل جنب مع النشاط احلقيقي املنتج. لكن واقع األمر أن أسواق‬
     ‫املشتقات تسري يف اجتاه بعيد عن النشاط احلقيقي. يف السنوات املاضية تضاعف حجم‬
     ‫املشتقات أكثر من ثالث مرات، بحيث جتاوز حجمها اآلن 033 تريليون دوالر، وهو‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬   ‫89‬




‫نمو غري مشهود يف أي قطاع من قطاعات االقتصاد األخرى. والسبب هو أن املشتقات ال‬
‫ترتبط تعاقدي ًا بالنشاط احلقيقي، بل تقترص عىل تبادل املخاطر. وحيث إن تداول املخاطر ال‬
‫خيضع لضوابط النشاط احلقيقي املولد للثروة، فيصبح نمو املشتقات أسهل بكثري من نمو‬
‫االقتصاد احلقيقي، وهذا هو احلاصل بالضبط. ويرتتب عىل ذلك تدفق رؤوس األموال إىل‬
‫املجازفات غري املنتجة عىل حساب االقتصاد احلقيقي املنتج، مما يعرض االقتصاد للخسارة‬
‫مرتني: مرة بحجب رؤوس األموال عن النشاط احلقيقي ابتداء، ومرة عند اهنيار السوق‬
                      ‫وانفجار فقاعة املجازفات غري املسؤولة وضياع الثروة تبع ًا لذلك.‬
‫ومع التضخم اهلائل حلجم سوق املشتقات فإن أي اهنيار سيكون هتديد ًا مبارش ًا لالقتصاد‬
‫بأكمله، وهذا ما جيعل احلكومات والبنوك املركزية تتدخل ملنع وقوع هذه االهنيارات، كام‬
‫حصل يف صندوق لونج تريم كابيتال(‪ )LTCM‬وغريه من مؤسسات املجازفة املالية.‬
‫والتدخل احلكومي مصدر أسايس لربحية املجازفني، كام أكد ذلك جوزيف ستيجلتز احلائز‬
                               ‫ً‬
‫عىل جائزة نوبل يف االقتصاد، وإال فإن سوق املشتقات إمجاال سوق صفرية كام سبق. ولكن‬
‫تدخل اجلهات الرسمية يعني أن الذي يدفع الثمن الفعيل هلذه املجازفات هو مجهور األفراد‬
‫والرشكات الذين هم عامد االقتصاد. فاجلمهور يف النهاية صار يتحمل خماطر املجازفني‬
                                        ‫ً‬
‫التي تفوق بأضعاف خماطر النشاط احلقيقي. فبدال من أن تكون املشتقات وسيلة حلامية‬
‫اجلمهور من املخاطر صارت وسيلة لتحميله خماطر تفوق بأضعاف ما كان يسعى لتجنبه‬
                                                                          ‫من خالهلا.‬
‫و قد أصدر جملس جممع الفقه اإلسالمي الدويل املنعقد يف دورة مؤمتره السابع بجدة يف‬
‫اململكة العربية السعودية من 7-21 ذي القعدة 2141 املوافق 9 – 41 أيار (مايو) 2991م،‬
‫القرار رقم: 36 (1/7) بشأن األسواق املالية بشكل عام بام فيها عقود االختيارات، و قد‬
                                                                 ‫جاء يف القرار ما ييل:‬
‫اأ- �صورة عقود الختيارات: إن املقصود بعقود االختيارات االعتياض عن االلتزام‬
‫ببيع شء حمدد موصوف أو رشائه بسعر حمدد خالل فرتة زمنية معينة أويف وقت معني إما‬
                                     ‫مبارشة أو من خالل هيئة ضامنة حلقوق الطرفني.‬
‫ب- حكمها ال�صرعي: إن عقود االختيارات – كام جتري اليوم يف األسواق املالية العاملية‬
‫99‬   ‫العلوم الإن�سانية واحلكم الت�سريعية‬




                   ‫– هي عقود مستحدثة ال تنضوي حتت أي عقد من العقود الرشعية املسامة.‬
                                                                ‫ً‬
     ‫وبام أن املعقود عليه ليس ماال وال منفعة وال حق ًا مالي ًا جيوز االعتياض عنه فإنه عقد غري‬
                                                                                   ‫ً‬
                          ‫جائز رشعا. وبام أن هذه العقود ال جتوز ابتداء فال جيوز تداوله.81‬
                                                   ‫ً‬
     ‫و من الوا�صح اأن �صبب حترمي عقود اخليارات هو اأنه ينتفي فيها امللك والقدرة على‬
     ‫الت�صليم ويسوى الفرق ربحا أو خسارة أو يتم نقل املراكز ببيع ما اشرتى أو رشاء ما يبيع‬
     ‫كل ذلك دون قبض، فهذه العقود من قبيل بيع اإلنسان ما ليس عنده، وبيع ما مل يقبض،‬
     ‫وبيع الكالئ بالكالئ. أما كوهنا من قبيل بيع اإلنسان ما ليس عنده فهو ظاهر من أهنا تتبادل‬
     ‫فيها غالبا التزامات وليس سلع. وكوهنا من بيع ما مل يقبض فهو ظاهر من كوهنا تتم عادة‬
     ‫عىل ما ال يملك، كام أهنا يف حقيقتها ال هتدف عادة إىل تسلم سلعة، حيث إن كل هدفها هو‬
     ‫حتقيق أقىص ربح ممكن ألحد أطرافها من جراء الفروق يف األسعار. وكوهنا من قبيل بيع‬
     ‫الكالئ بالكالئ، فهو ظاهر من كوهنا ال يسلم فيها سلعة وال يدفع فيها ثمن إال نسيئة فكال‬
                                                                      ‫طريف املعاوضة نسيئة.‬


                                                                  ‫البيع على المكشوف:‬
     ‫البيع عىل املكشوف هو أن يبيع أسهام بسعر حمدد مستقبال وهو ال يملكها، وإنام يتلقى‬
     ‫وعد ًا من السمسار بإقراضه األسهم يف موعد التسليم، فإذا جاء موعد التسليم، اقرتض‬
     ‫األسهم وباعها واحتفظ السمسار بالثمن ضامنا لقرض األسهم ـ وربام أودعه السمسار‬
     ‫بفائدة ملصلحته بناء عىل موافقة العميل ـ فإذا انخفضت أسعارها، اشرتى ذلك البائع‬
     ‫األسهم من السوق، وأعادها إىل السمسار، وقبض الفرق بني سعر الرشاء وسعر البيع. أما‬
                               ‫إذا ارتفعت هذه األسعار فسوف خيرس بمقدار ذلك االرتفاع.‬
                                           ‫ولتو�صيح البيع باملك�صوف نتناول املثال التايل:‬
     ‫نفرض أن أحد املستثمرين يظن أن أسهم رشكة ما، الذي سعره اآلن 51 دوالر،‬
     ‫سينخفض خالل الفرتة الزمنية القادمة، فيمكنه أن يبيع عىل املكشوف 001 سهم مثال‬
     ‫بسعر 51 دوالرا للسهم الواحد يف موعد معني، فيكون املجموع 0051 دوالر، ثم إذا حل‬
‫المؤتمر العالمي العاشر لإلعجاز العلمي في القرآن والسنة‬   ‫001‬




‫املوعد اقرتض تلك األسهم من السمسار وسلمها للمشرتي يف ذلك املوعد، فإذا كانت‬
‫توقعاته دقيقة وانخفض السعر إىل 21 دوالرا، يكون املجموع 0021 دوالر، فإنه يشرتي‬
‫أسهم تلك الرشكة بالسعر املنخفض من السوق، ويعيدها إىل السمسار الذي اقرتضها منه،‬
                                        ‫فيكون قد حقق ربحا مقداره 003 دوالر.91‬
‫وقد أفتى جممع الفقه اإلسالمي التابع ملنظمة املؤمتر اإلسالمي بجدة بأن هذا البيع ال‬
‫جيوز، حيث اختذ قرارا يف دورته السابعة يف عام 2141هـ جاء فيه: "ال جيوز أيضا بيع سهم‬
‫ال يملكه البائع، وإنام يتلقى وعدا من السمسار بإقراضه السهم يف موعد التسليم ؛ ألنه من‬
‫بيع ما ال يملك البائع، ويقوى املنع، إذا اشرتط إقباض الثمن للسمسار لينتفع به بإيداعه‬
                                              ‫بفائدة للحصول عىل مقابل اإلقراض".02‬
                                                ‫مثال اأزمة �صوق املناخ بالكويت21‬
‫كان سوق األسهم الكويتية خالل الفرتة 1691 - 5791م قناة استثامرية رئيسية‬
‫لعائدات النفط الكويتي. كانت طبيعة التسوية املالية تتم، يف معظمها، عن طريق شيكات‬
‫مؤجلة وقابلة للتداول أدت الحقا إىل نشأة سوق غري رسمية لعقود البيوع املستقبلية.‬
‫اجتهت األسهم إىل تسجيل أرقام قياسية غري مربرة مقارنة بقيمتها الدفرتية، ومدعومة‬
                               ‫بتدفق مستمر للسيولة، وحمدودية كمية األسهم املتداولة.‬
  ‫كان ل بد لعملية الت�صحيح اأن تاأخذ مكانها لتن�صيط ال�صوق على املدى الطويل.‬
‫أدت العملية يف عام 6791م إىل هبوط أسعار األسهم بشكل تدرجيي مدعومة بزيادة‬
‫العرض بشكل كبري مقابل الطلب يف سوق عقود البيوع املستقبلية. أهنار السوق يف 6791م‬
‫خملفا آثارا اقتصادية غري كبرية بسبب تدخل احلكومة الكويتية.حيث مل تدعم احلكومة‬
‫السوق برصف قرابة نصف مليار لرشاء أسهم الرشكات املتعثرة فحسب، ولكن أيضا‬
‫اختذت عددا من التدابري الرسيعة لضامن عدم حدوث مثل هذه األزمة. منها إصدار القرار‬
‫الوزاري رقم (16) وتاريخ 6791م والذي نص عىل تنظيم التعامل يف األوراق املالية‬
                   ‫اخلاصة بالرشكات املسامهة الكويتية وتشكيل أول جلنة لألوراق املالية.‬
‫و من الواضح أن أول أزمة كانت نتيجة عن اإلخالل برشط بيع األصول قبل متلكها كان‬
                            ‫حتى قبل األزمة الشهرية، لكن تدخل الدولة كبت األزمة‬